العمل اللائق في الأردن

تاريخ النشر : الاثنين 11:06 4-5-2026
د. محمد القضاة

لا تكمن التحديات الاقتصادية التي تواجه الأردن اليوم في مجرد أرقام البطالة، بل تتجاوز ذلك إلى طبيعة الوظائف المتاحة، ومدى قدرتها على توفير حياة كريمة للمواطنين. فالسؤال الحقيقي الذي يطرح نفسه هو: هل يسعى اقتصادنا لخلق مجرد “وظائف”، أم أنه يطمح لبناء منظومة تنتج “عملاً لائقاً”؟

إن العمل الذي لا يوفر دخلاً كافياً، ولا يضمن حماية اجتماعية، ولا يؤسس لاستقرار مهني، لا يعد إنجازاً اقتصادياً، بل هو عبء اجتماعي مؤجل. لقد نجح الأردن جزئياً في بناء إطار قانوني للعمل، يتضمن حداً أدنى للأجور ومؤسسات لضمان الحماية الاجتماعية، إلا أن التحدي الأكبر يكمن في الواقع العملي. فما زال سوق العمل يعاني من اختلالات عميقة تتمثل في ارتفاع معدلات البطالة، وانتشار العمل غير المنظم، وفجوة واضحة بين الأجور وتكاليف المعيشة، وضعف أدوات التفاوض الجماعي.

النموذج الاقتصادي الحالي وتحدياته تكمن المشكلة الأساسية في طبيعة النموذج الاقتصادي الذي يركز على خلق فرص عمل في قطاعات ذات إنتاجية منخفضة، ويعتمد على أنماط تشغيل مرنة ولكنها هشة. هذا النهج يؤجل معالجة الخلل الهيكلي بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، وينتج عنه وظائف بلا أفق أو أمان. إن العمل اللائق ليس ترفاً اجتماعياً، بل هو شرط أساسي للاستقرار الوطني. فالعامل الذي لا يشعر بالأمان الوظيفي، ولا يرى مستقبلاً في عمله، يعيش حالة من القلق الدائم، وهو ما قد يتحول مع تراكم الضغوط الاقتصادية إلى توتر اجتماعي، وربما نزيف هجرة صامتة للكفاءات.

دروس من التجارب الدولية الرائدة

لقد أثبتت التجارب الدولية الناجحة أن بناء اقتصاد منتج ومجتمع عادل يتطلب أكثر من مجرد شعارات. يتطلب الأمر معادلة دقيقة تجمع بين النمو الاقتصادي والحماية الاجتماعية، دون التضحية بكرامة الإنسان. نستعرض هنا أبرز الممارسات العالمية التي يمكن للأردن الاستفادة منها:

1. النموذج الاسكندنافي: الأمان المرن والحوار الاجتماعي

تعد دول الشمال الأوروبي (مثل الدنمارك والسويد والنرويج) مثالاً يحتذى به في تحقيق العمل اللائق. يعتمد هذا النموذج على مبدأ "الأمان المرن"، الذي يجمع بين مرونة عالية في سوق العمل (سهولة توظيف وتسريح العمال) مع شبكة أمان اجتماعي قوية تشمل إعانات بطالة سخية وبرامج إعادة تدريب وتأهيل فعالة. هذا يمنح العمال الثقة في مواجهة التغيرات الاقتصادية، ويشجع الشركات على الابتكار والتكيف .

كما يتميز النموذج الاسكندنافي بـ "الحوار الاجتماعي الثلاثي" الفعال، حيث تشارك النقابات العمالية وأصحاب العمل والحكومات بفاعلية في صياغة السياسات الاقتصادية والعمالية. هذا الحوار يضمن توازن المصالح ويقلل من النزاعات العمالية، مما يعزز الاستقرار والإنتاجية .

2. التجربة الألمانية: التدريب المهني والمشاركة في الإدارة

تعد ألمانيا نموذجاً رائداً في ربط التعليم بسوق العمل من خلال نظام التدريب المهني المزدوج. يتيح هذا النظام للشباب الجمع بين الدراسة النظرية والتدريب العملي المكثف في الشركات، مما يقلل بشكل كبير من بطالة الشباب ويوفر للقطاع الخاص عمالة ماهرة ومدربة حسب احتياجاته الفعلية.

بالإضافة إلى ذلك، تتميز ألمانيا بمفهوم "المشاركة في الإدارة"، حيث يتم تمثيل العمال في مجالس إدارة الشركات الكبرى. هذا يمنح العمال صوتاً في اتخاذ القرارات الاستراتيجية، ويعزز شعورهم بالملكية والمسؤولية، مما ينعكس إيجاباً على الإنتاجية والاستقرار الصناعي .

3. التحول من الاقتصاد غير المنظم: الشمول والحوافز

تواجه العديد من الدول تحدي الاقتصاد غير المنظم، وقد أظهرت التجارب الدولية أن الحل لا يكمن في التجاهل، بل في الشمول. من أفضل الممارسات في هذا المجال تبسيط إجراءات تسجيل الشركات والعمال، وتقديم حوافز ضريبية، وربط التسجيل بالوصول إلى خدمات الحماية الاجتماعية والتمويل. هذا يضمن حقوق العمال ويوسع القاعدة الضريبية للدولة.

توصيات استراتيجية للأردن

إن إصلاح سوق العمل في الأردن لا يمكن أن يتم بقرارات جزئية، بل يتطلب إعادة ضبط للبوصلة الاقتصادية والاجتماعية؛ وفي هذا الصدد؛ يمكن تقديم التوصيات التالية للوصول للعمل اللائق في المملكة:

أولا: الانتقال من اقتصاد الكم إلى اقتصاد القيمة: يجب أن نتحول من التركيز على مجرد خلق الوظائف إلى خلق وظائف ذات قيمة مضافة عالية، تساهم في رفع الإنتاجية وتوفير أجور عادلة. إن رفع الإنتاجية هو المدخل الحقيقي لزيادة الأجور، وليس العكس.

ثانيا: توسيع مظلة الحماية الاجتماعية: يجب أن تشمل الحماية الاجتماعية العاملين في الاقتصاد غير المنظم، فإهمالهم لا يلغي وجودهم بل يعمق هشاشتهم.

ثالثا: التمكين الحقيقي للحوار الاجتماعي: يجب أن يكون الحوار بين الحكومة وأصحاب العمل والعمال تمكيناً حقيقياً، وليس إجراءً شكلياً. فهو أداة أساسية لخلق التوازن في سوق العمل. وفي هذا الموضوع؛ يمكن إقتراح مجلس للسياسات برئاسة وزير العمل وعضوية ممثلين للحكومة والعمال وأصحاب العمل ضمن نص يضاف لقانون العمل عند تعديله.

رابعا: دور القطاع الخاص: لا يمكن إعفاء القطاع الخاص من مسؤوليته في هذا السياق. فالربحية لا تتعارض مع الكرامة الإنسانية. الشركات التي تبني نموذجها على إضعاف العامل لتحقيق أرباح قصيرة المدى، تضعف السوق الذي تعمل فيه على المدى الطويل. فمن المستغرب أن بعض الشركات؛ وخاصة المالية؛ تتجاوز أرباحها الخمسين مليون دينار أردني وأجور العاملين فيها متدنية جدا؛ ناهيك عن غياب مؤشرات العمل اللائق فيها!!!.

خلاصة القول؛ العمل اللائق ليس مجرد ملف عمالي، بل هو اختبار لنموذج الدولة ذاته. فإما أن ننجح في تحويل العمل إلى مصدر للكرامة والاستقرار، أو نتركه ليتحول إلى نقطة ضعف هيكلية تتسع مع مرور الوقت. الدول لا تقاس ببنيتها التحتية فقط، بل بقدرتها على تصحيح المسار قبل أن يصبح التصحيح أكثر كلفة.

السؤال الذي يجب أن نواجهه بوضوح هو: هل نريد وظائف بأي ثمن، أم نريد عملاً يليق بالمواطن ويستحقه؟ الفارق بين الاثنين ليس لغوياً، بل هو الفارق بين دولة تدير الأزمة ودولة تصنع المستقبل.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }