التعليم أولًا: درع الاستقرار في زمن الاضطراب

تاريخ النشر : الاثنين 10:46 4-5-2026
أ.د. بشير أبو حمّور

لم تعد الأزمات العالمية مجرد أحداث مفاجئة تُربك الاقتصاد، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لصلابة المهن واستقرارها؛ فمن الحروب إلى جائحة كوفيد-19 وما تبعها من ركود اقتصادي،لم تكن مجرد أحداث عابرة، بل أصبحت كاشفًا حقيقيًا لقيمة المهن واستقرارها. فقد أعادت هذه التحولات تشكيل نظرة المجتمعات إلى سوق العمل، وبرز خلالها أن بعض القطاعات أكثر قدرة على الصمود من غيرها. وفي مقدمة هذه القطاعات جاء التعليم والرعاية الصحية، بوصفهما الأكثر استمرارية وثباتًا. ففي الوقت الذي تعرضت فيه مجالات عديدة لاضطرابات حادة، حافظ العاملون في التعليم على مستوى أعلى من الاستقرار الوظيفي، وكانوا أقل تأثرًا بتراجع الدخل مقارنة بغيرهم، بينما واجه العاملون في مجالات مثل الهندسة والمحاسبة والأعمال الحرة وقطاع الأغذية تحديات كبيرة تمثلت في فقدان الوظائف أو انخفاض الدخل أو عدم استقرار العمل.

وتبرز هذه الفجوة حقيقة مهمة، وهي أن ليست جميع المهن محمية بالدرجة نفسها في أوقات الأزمات، وأن بعضها أكثر عرضة للتقلبات الاقتصادية من غيرها. وتُعد هذه الظاهرة مقلقة بشكل خاص في دول مثل الأردن والعديد من الدول العربية، حيث يستثمر آلاف الخريجين من التخصصات العلمية، مثل الهندسة والصيدلة، سنوات من الجهد والموارد المالية في تعليمهم، ليواجهوا بعد التخرج فرص عمل محدودة. فكثير منهم لا يتمكن من الحصول على وظائف في مجالات تخصصهم، أو يُعرض عليهم العمل بأجور متدنية جدًا. ونتيجة لذلك، يُجبر عدد كبير من هؤلاء الخريجين على التحول إلى مسارات مهنية بديلة، وعلى رأسها مجال التعليم، سواء من خلال العمل كمدرسين خصوصيين أو كمعلمين بدوام كامل عند توفر الفُرصة. وغالبًا ما يكون لهذا التحول تكلفة عالية، إذ لا يقتصر الأمر على خسارة الوقت والاستثمار المالي، بل يمتد ليشمل فقدان الشغف والهوية المهنية. فقد يشعر الخريجون بالإحباط عندما لا تحقق مجالاتهم الدراسية العائد المتوقع، مما يدفعهم إلى إعادة النظر في مساراتهم المهنية. وعلى الرغم من أن التعليم يوفر مسارًا أكثر سهولة من حيث فرص العمل، إلا أن الانتقال إليه ليس دائمًا سهلًا، كما أن النجاح فيه غير مضمون، خاصة لمن لم يكن هذا المجال ضمن تخصصهم الأصلي. لذلك، من الضروري أن يقوم الأفراد بتقييم وإعادة تقييم اختياراتهم الأكاديمية والمهنية بشكل واعٍ، استنادًا إلى عدة عوامل، من بينها العائد المالي، والقيمة المجتمعية، والرضا الشخصي، ومستوى الرضى الذي يحققونه عند العمل في مجال تخصصهم. فالتخطيط المبكر واتخاذ قرارات مدروسة يمكن أن يساعدا في مواءمة التوقعات مع الواقع وتقليل احتمالية عدم الرضا المهني مستقبلًا. وفي هذا السياق، فإني أنصح وبشدة الطلاب المتفوقون، خاصة أولئك الذين يمتلكون سجلات أكاديمية قوية في التخصصات العلمية، إلى جانب إتقانهم للغتين الإنجليزية والعربية، بالنظر في دراسة تخصصات التعليم منذ البداية. فالالتحاق بكليات العلوم التربوية في وقت مبكر يمنحهم ميزة تنافسية، ويساعدهم على تطوير مهارات متخصصة، والتخرج في الوقت المحدد، والوصول إلى فرص عمل أوسع محليًا ودوليًا. كما يتيح لهم هذا المسار بناء مسيرة مهنية مستقرة وذات معنى تتماشى مع جهودهم واستثماراتهم. وعلى المستوى المؤسسي، يقع على عاتق الجامعات دور محوري. إذ تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة النظر في سياسات القبول في كليات العلوم التربوية. وبدلًا من التعامل مع التعليم كتخصص مرتبة متأخرة، ينبغي على المؤسسات السعي لاستقطاب الطلبة المتفوقين والطموحين. إن رفع معايير القبول واختيار النُخب من الطلبة سيسهم في تحسين جودة التعليم وضمان إعداد معلمين قادرين على تلبية متطلبات المهنة بكفاءة. ولا يقل أهمية عن ذلك دور المجتمع وصنّاع القرار. إذ ينبغي بذل جهود حقيقية لإعادة الاعتبار لمكانة المعلم من خلال تحسين الرواتب، وتقديم حوافز مجزية، واستعادة الاحترام الذي كانت تحظى به هذه المهنة. كما أن وضع خطة شاملة ومستدامة لدعم المعلمين يعد أمرًا أساسيًا. فمن خلال هذه الجهود فقط يمكننا بناء قاعدة تعليمية قوية، وتنمية رأس المال البشري اللازم لتحقيق التنمية والتقدم على المدى الطويل. وفي الختام، لكل من يعمل حاليًا في مجال التعليم، ينبغي أن يشعر بالفخر الكبير بدوره. فالتعليم من أهم المهن في أي مجتمع، وهو المجال الذي يصمد حتى في أوقات الأزمات العالمية. إن المعلمين هم من يصنعون المستقبل من خلال توجيه وإلهام الأجيال الجديدة. لذلك، من الضروري الاستمرار في السعي نحو التميز، وتطوير المهارات المهنية، والالتزام بهذه الرسالة النبيلة. وللمعلمين المستقبليين، وللمجتمعات، والطلبة، وصنّاع القرار، لنتذكر دائمًا كلمات الشاعر أحمد شوقي الخالدة:

قُم لِلمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَبجيلا... كادَ المُعَلِّمُ أَن يَكونَ رَسولا

أَعَلِمتَ أَشرَفَ أَو أَجَلَّ مِنَ الَّذي... يَبني وَيُنشِئُ أَنفُساً وَعُقولا

مستشار التربية والتعليم

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }