بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، تطورت أدوار البنوك المركزية في العالم. إلا أن هذا التوسع في المهام كان من المفترض أن يكون مؤقتًا، حيث كان يرتبط بأمد الأزمة وزوال آثارها. لكن بعض البنوك المركزية حول العالم استمرّت في توسيع دورها، وجدت في ذلك فرصة لتعزيز نفوذها في الإدارة الاقتصادية، وهو ما كان له من سلبيات وإيجابيات.
الإيجابيات تمثلت في زيادة السيطرة على السيولة وإعادة التوازن لمعدلات الطلب عليها عبر أسعار الفائدة. أما السلبيات، فقد تمثلت في التدخل المرتفع المخاطر في السياسات الاقتصادية، حتى أن بعض البنوك حملت جزءًا من أسباب الأزمة وعبء حلولها.
أما البنك المركزي الأردني فقد تعامل بحساسية بالغة مع هذه المتغيرات. فلم يستسلم للضغوط التي طالبت بدور أكبر له في الاقتصاد، كما أنه لم ينسحب تمامًا من مواجهة الأزمة. بل كان فاعلًا في العديد من المحطات المهمة في إدارتها، والأمثلة على ذلك كثيرة.
عدا عن ضبط إيقاع أسعار الفائدة، فتح البنك المركزي نوافذ تمويلية لقطاعات إنتاجية مهمة، وقد تجلى ذلك بشكل خاص خلال أزمة كورونا. حافظ البنك المركزي الأردني على دوره الأساسي في استقرار السياسة النقدية وضبط السيولة ومكافحة التضخم. وبينما كانت بعض البنوك المركزية الكبرى في العالم تتعرض لتداخلات سياسية وضغوط نفوذ سياسي، ظل البنك المركزي الأردني مكرسًا لاستقلاليته. ولحسن إدارته، حافظت الحكومات الأردنية على صيانة هذه الاستقلالية ودعمها.
لا يجب أن نقرأ قرار البنك المركزي الأردني الأخير في تثبيت أسعار الفائدة الرئيسية، وهو القرار الثالث من نوعه هذا العام، بمعزل عن السياقات المذكورة أعلاه. بينما تعبث السياسة في توجيه قرارات البنوك المركزية في بعض الدول، وبينما تستجيب بعض البنوك أو تقاوم ضغوطًا سياسية ومجتمعية، لم يلتفت البنك المركزي الأردني إلا لدوره الأساسي ولقراءته المهنية لظروف وأوضاع السوق، بالإضافة إلى المتغيرات الجيوسياسية المؤثرة على الاقتصاد والتضخم.
ليس المطلوب من البنك المركزي أن يتولى مهمة تمويل الأنشطة الاقتصادية، وإن كان قد تدخل بشكل أو بآخر خلال أزمة وباء كورونا، فهذا كان منعطفًا طارئًا ولا يمكن أن يؤسس لتجاوز مهامه الأساسية.
تأمين الاستقرار النقدي هو أبرز مهام البنك المركزي، الذي يعمل كدرع يقي الاقتصاد مخاطر التضخم، عدو النمو. فإن نجح في هذا، فقد قدم أفضل هدية للنمو الاقتصادي.