ورغم أن الجدري المائي يُنظر إليه أحيانًا كمرض بسيط، إلا أنه في الحقيقة مرض فيروسي شديد العدوى، قد يؤدي إلى مضاعفات صحية مهمة، خاصة لدى الأطفال، والحوامل، وذوي المناعة الضعيفة. وتشمل هذه المضاعفات الالتهابات الجلدية البكتيرية، والالتهاب الرئوي، والتهاب الدماغ، وقد تستدعي بعض الحالات دخول المستشفى، مع ما يترتب على ذلك من عبء صحي واقتصادي.
وتشير البيانات الوطنية إلى تسجيل أعداد كبيرة من حالات الجدري المائي خلال السنوات الماضية، ما يعكس عبئًا ملموسًا على النظام الصحي والأسر. ولا يقتصر هذا العبء على التكاليف المباشرة للعلاج، بل يمتد إلى الخسائر غير المباشرة مثل تغيب الأطفال عن المدارس، وتعطل أولياء الأمور عن العمل، وزيادة الضغط على المرافق الصحية.
في المقابل، تؤكد الأدلة العلمية أن لقاح الجدري المائي يوفر حماية عالية تتجاوز 85–90% بعد الجرعة الأولى، وترتفع بشكل أكبر مع استكمال الجرعات الموصى بها. كما أن الحالات التي قد تحدث بعد التطعيم تكون غالبًا أخف شدة، وأقصر مدة، وأقل عرضة للمضاعفات أو الحاجة إلى الاستشفاء، ما يعزز القيمة الوقائية والاقتصادية لهذا التدخل.
وعلى المستوى الدولي، أظهرت تجارب الدول التي أدخلت اللقاح ضمن برامجها الوطنية انخفاضًا كبيرًا في معدلات الإصابة، وصل في بعض السياقات إلى أكثر من 90%، إلى جانب تراجع ملحوظ في نسب الدخول إلى المستشفيات والوفيات المرتبطة بالمرض. وتعكس هذه النتائج الدور المحوري للتطعيم في تحقيق مناعة مجتمعية فعالة، والحد من انتقال العدوى، وحماية الفئات الأكثر عرضة للخطر.
إن إدراج لقاح الجدري المائي ضمن البرنامج الوطني للتطعيم في الأردن لا يمثل فقط إضافة تقنية، بل يعكس تحولًا استراتيجيًا نحو ترسيخ مفهوم الوقاية كركيزة أساسية في السياسات الصحية. كما يعزز مبدأ العدالة الصحية من خلال توفير اللقاح مجانًا، ويوسّع نطاق الحماية ليشمل جميع الأطفال دون تمييز.
في المحصلة، تمثل هذه الخطوة استثمارًا ذكيًا و حصيفا في صحة المجتمع، ورسالة واضحة بأن بناء أنظمة صحية قوية يبدأ من الوقاية المبكرة، ويستند إلى قرارات قائمة على العلم، وتكامل الجهود بين الجهات و المؤسسات الوطنية والشركاء الدوليين.