هل يمكن أن تُبنى هوية وطنية راسخة دون مشروع ثقافي فني مدعوم برؤية واضحة؟ يتضح هذا التساؤل عند مقارنة ما كانت عليه الأغنية الوطنية في الأردن في منتصف القرن الماضي، وما تبدو عليه اليوم من تباين في المستوى وتراجع في الأثر.
في خمسينيات القرن العشرين، لم تكن الأغنية الوطنية عملًا فرديًا، بل نتاج جهد مؤسسي منظم. حيث برزت مرجعيات ثقافية أسهمت في صياغة الوعي وبناء الذائقة، وكان من الطبيعي أن يتولى شخص بحجم وصفي التل رعاية بعض هذه الجهود، من خلال جمع الشعراء والملحنين والإشراف على إنتاج أعمال تحمل رسالة واضحة. لذلك لم تكن الأغنية مجرد لحن عابر، بل نص يُحفظ وقيمة تُرسّخ في الوجدان، وهو ما يفسر بقاء أثرها حتى اليوم.
أما في الحاضر، فيبدو أن تراجع حضور الإطار المنظم والداعم أفسح المجال لإنتاج فردي يغلب عليه اختزال الأدوار، حيث يجمع بعض المنتجين او المطربين بين (الكتابة والتلحين والغناء) دون مراجعة كافية أو تقييم مهني. او كفاءة عالية ، هذا التداخل، او سمها (العبقرية الفريدة)رغم جاذبيتها الظاهرية، ينعكس في كثير من الأحيان على جودة العمل، سواء في اللغة أو اللحن أو الرسالة.
ولفهم أهمية التكامل الفني، تكفي الإشارة إلى تجارب عربية راسخة؛ فالموسيقار محمد عبد الوهاب لم يعمل منفردًا، وكذلك فريد الأطرش، وهم قادرون على ذلك، في حين اعتمدت أم كلثوم على اختيار النصوص بعناية، وراجعت الشاعر والكاتب وعدلت على النصوص، وقدم عبد الحليم حافظ نموذجًا للعمل الجماعي المشترك، والكتاب والشعراء المميزين، وهؤلاء معظمهم مثقفون وموسيقيون مبدعون فلم يكتبوا لانفسهم بل اعطوا الخبز لخبازه، هذا الفصل بين الأدوار لم يكن ضعفًا، بل أحد أسرار الجودة والتميز واستدامة البقاء للأثر والتأثير.
المسألة في الحالة الأردنية لا تتعلق بندرة المواهب، بل بالحاجة إلى إطار يجمعها ويوجهها. وتبدو الحاجة قائمة إلى منظومة مهنية تُنسّق الجهود، وتدعم الإنتاج، وتُعزز حضور الأغنية الوطنية بما يتناسب مع دورها الثقافي.
ومن هنا، فإن معالجة هذا الواقع تستدعي مسارًا عمليًا متوازنًا، يقوم على إنشاء مجلس وطني للثقافة الفنية أو تفعيل وتطوير مهام وواجبات الجهة المعنية ان وجدت، فتتولى وضع معايير الجودة وإطلاق مبادرات إنتاجية، إلى جانب تأسيس صندوق دعم يوفّر بيئة مستقرة للفنانين الذين يواجهون تحديات معيشية صعبة. كما يبرز دور الشراكة بين القطاعين العام والخاص في تمويل أعمال ذات قيمة، وإعادة الاعتبار لمبدأ التخصص عبر فرق إنتاج متكاملة.
ويكتمل هذا المسار بدمج الأغنية الوطنية في التعليم والإعلام، وإنشاء أرشيف رقمي يحفظ التراث ويعيد تقديمه، إضافة إلى برامج تدريب متخصصة لإعداد جيل قادر على المنافسة وتقديم الافضل المستدام.
نعم الأغنية الوطنية مجال او متنفس روحي للترويح النفسي والمتعة العقلية والنفسية، ولكنها أيضاً أداة لبناء الوعي وترسيخ الانتماء. وعندما تضعف منظومة دعمها، يتراجع أثرها وتفقد قدرتها على التأثير العميق وغايتها القيمية السامية.
لقد أثبتت التجارب أن العمل المؤسسي في الثقافة يترك أثرًا ممتدًا، بينما تبقى الجهود الفردية محدودة ما لم تُسند بإطار منظم. وبين الأمس واليوم، لا تكمن الفجوة في نقص الموهبة، والصوت الجميل والمبدعين، بل في المنهج المتكامل. وإذا كان الهدف بناء جيل واعٍ ومنتمٍ، فإن الطريق يبدأ من مشروع ثقافي متكامل يعيد للأغنية الوطنية دورها الحقيقي: أن تكون ذاكرة وطن وأثرًا باقياً في الوجدان.