بينما يطوي عام 2026 فصوله الأولى، يشهد العالم تحولًا واضحًا في فلسفة جذب رؤوس الأموال. لم يعد التنافس بين الدول يقتصر على الحوافز الضريبية، بل أصبح يتمحور حول "جودة الاستقرار": سرعة إنجاز الأعمال، ووضوح القواعد، والثقة المؤسسية، وحوافز قطاعية موجهة تتكيف مع التحولات الجيوسياسية.
في هذا السياق، نرى دولًا على ضفتي المتوسط وأوروبا تعيد ترتيب أدواتها. تركيا تتجه إلى تحديثات تشريعية وحزم تحفيزية لتحسين التنافسية واستقطاب استثمارات جديدة. وإسبانيا تركز على جذب استثمارات البحث والتطوير والابتكار وتطوير منظومة استقطاب الشركات ذات القيمة المضافة. أما إيطاليا فتدعم برامج التحول الصناعي والرقمي والاستدامة، وتستفيد من مراكز اقتصادية مثل ميلانو بوصفها بيئة أعمال واستقطاب للمقار الإقليمية والخدمات. وفي المقابل، تعيد بعض الدول تقييم أدوات كانت شائعة سابقًا مثل الإقامة المرتبطة بالاستثمار العقاري، بما يعكس تغير الأولويات واعتبارات اخرى .
هذه التحولات تضع الأردن أمام سؤال اقتصادي مباشر: لم يعد كافيًا أن يوصف بأنه "واحة استقرار" في الإقليم، بل أصبح المطلوب تحويل الاستقرار إلى ميزة تنافسية عملية تُترجم إلى قرارات استثمار وتشغيل.
الأردن: فرصة في نموذج "التوازن"
في فترات الاضطراب، تتجه فئات من المستثمرين نحو ما يمكن وصفه بـ "استثمارات هجينة": تبحث عن بيئة أكثر استقرارًا، لكنها في الوقت نفسه تريد عائدًا معقولًا، وإمكانية تشغيل إقليمي، وسهولة حركة وإجراءات واضحة.
والمقصود برأس المال "الهجين" هو الاستثمار الذي يجمع بين هدفين: تقليل المخاطر عبر بيئة مستقرة، وفي الوقت نفسه تحقيق عائد وتشغيل فعلي (مقار إقليمية، خدمات، لوجستيات، صناعات)، مع حساسية عالية لعنصر السرعة والوضوح في الإجراءات، وإمكانية التوسع أو الخروج دون تعقيد.
هنا يمتلك الأردن عناصر مهمة، أبرزها الاستقرار النقدي والقدرة على التنبؤ، وهو عامل أساسي عند اتخاذ قرارات طويلة الأجل. لكن الاستقرار وحده لا يصنع ريادة. السؤال الواقعي هو: ما الذي يحتاجه الأردن ليرتقي من "ميزة الاستقرار" إلى "ميزة تنافسية مكتملة"؟
أولًا: التحول الرقمي في رحلة المستثمر
شهدت رحلة المستثمر في الأردن تقدمًا واضحًا على مستوى التحول الرقمي وإتاحة خدمات إلكترونية، لكن المرحلة القادمة تتطلب الانتقال من "رقمنة الإجراءات" إلى إعادة هندسة الرحلة: توحيد الموافقات بين الجهات، وتقليص الزمن الفعلي لبدء التشغيل، ورفع الشفافية والتتبع؛ لأن المستثمر يقيس بالوقت واليقين لا بعدد النماذج.
ثانيًا: كلف التشغيل وتنافسية الطاقة
كلفة الطاقة عنصر حاسم في جذب الاستثمار المنتج. الأردن لديه توجه متقدم في الطاقة المتجددة، لكن القيمة الاستثمارية تزيد عندما يُربط هذا التوجه بعقود واضحة للقطاعات الصناعية والتجارية، وحلول كفاءة، وبنية تحتية في المناطق الصناعية واللوجستية تساعد المستثمر على خفض كلفة التشغيل بشكل قابل للقياس.
ثالثًا: الاستثمار في الإنسان كميزة تشغيلية
المستثمر لا يبحث عن موقع فقط، بل عن قدرة تشغيل. الأردن يمتلك قاعدة بشرية شابة، والمطلوب مواءمة أدق بين التعليم والتدريب واحتياجات القطاعات الجديدة، خصوصًا المهارات التقنية والمهنية. وجود مسارات تدريب مرتبطة بالطلب، وقواعد بيانات للكفاءات، وقياس لمخرجات التدريب، يرفع ثقة المستثمر بقدرة السوق على تلبية احتياجاته.
رابعًا: هوية استثمارية واضحة وتسويق أكثر دقة
الأردن بحاجة إلى خطاب استثماري عملي يجيب المستثمر عن أسئلة محددة: ما القطاعات ذات الأولوية؟ ما القيمة التي سيجدها؟ ما زمن التنفيذ؟ وكيف يستفيد من اتفاقيات التجارة؟ التركيز يجب أن ينتقل من العموميات إلى تحديد فرص واضحة في الاقتصاد الرقمي، الخدمات الإقليمية، السياحة العلاجية، والطاقة الخضراء وسلاسل التوريد.
في الختام إن سباق استقطاب رؤوس الأموال لم يعد سباق حوافز فقط، بل سباق قدرة على التحول. الأردن يمتلك عناصر استقرار مهمة، لكنها تحتاج إلى ترجمة تنفيذية أسرع: رحلة مستثمر أكثر تكاملًا وشفافية، وتنافسية أعلى في كلف التشغيل، ومنظومة مهارات جاهزة، وهوية استثمارية واضحة. في بيئة دولية تنافسية، الميزة تُصنع حين يتحول الاستقرار إلى إنتاجية، والسمعة إلى نتائج قابلة للقياس.
خبير اقتصادي