في عالم يتزايد فيه عدم اليقين الجيوسياسي، لم تعد صدمات الطاقة أحداثاً استثنائية، بل أصبحت جزءاً من الواقع الاقتصادي الجديد. ما نشهده اليوم من تقلبات حادة في أسعار النفط والغاز، نتيجة الصراعات الإقليمية وتوترات سلاسل الإمداد، يفرض على الحكومات إعادة التفكير ليس فقط في سياسات الطاقة، بل في النموذج الاقتصادي بأكمله.
الخطأ الأكبر الذي قد تقع به الدول هو التعامل مع صدمة الطاقة على أنها أزمة مؤقتة تتطلب حلولاً سريعة. في الحقيقة، هذه الصدمات تكشف هشاشة بنيوية في الاقتصاد، خاصة في الدول التي تعتمد بشكل كبير على مصادر طاقة مستوردة أو على نماذج إنتاج غير متنوعة.
تجربة المملكة المتحدة خلال السنوات الأخيرة تقدم درساً واضحاً. فقد أدى الاعتماد الكبير على الغاز الطبيعي، إلى جانب ضعف القدرة التخزينية، إلى ارتفاع أسعار الطاقة بشكل حاد. وعلى الرغم من الجهود المبذولة للتحول نحو الطاقة النظيفة، إلا أن ارتباط أسعار الكهرباء بأسعار الغاز ظل قائماً، ما جعل الاقتصاد عرضة لصدمات خارجية متكررة.
المشكلة لا تقتصر على ارتفاع الأسعار فقط، بل تمتد إلى طريقة توزيع الأعباء داخل الاقتصاد. فقد أظهرت العديد من الدراسات أن جزءاً كبيراً من التضخم خلال أزمة 2022–2023 لم يكن نتيجة ارتفاع التكاليف فقط، بل أيضاً نتيجة تحقيق بعض الشركات أرباحاً استثنائية بسبب موقعها الاحتكاري في السوق. وهذا يطرح سؤالاً جوهرياً: هل يجب أن تتحمل الأسر تكلفة الأزمات، أم أن هناك دوراً للدولة في إعادة توزيع الأعباء بشكل أكثر عدالة؟
بعض الدول حاولت معالجة المشكلة من خلال دعم الأسعار بشكل مباشر، كما حدث في بريطانيا، حيث تم وضع سقف لأسعار الطاقة للأسر. لكن هذا النهج، رغم أهميته على المدى القصير، لا يعالج جذور المشكلة، بل قد يؤدي إلى دعم غير مباشر لشركات الطاقة نفسها. في المقابل، تبنت دول مثل إسبانيا والبرتغال سياسات أكثر ذكاءً، حيث قامت بتحديد تكلفة الغاز المستخدم في إنتاج الكهرباء، ما أدى إلى خفض الأسعار من المصدر وتقليل الأرباح الاحتكارية.
الدروس المستفادة من هذه التجارب واضحة: إدارة الأزمات يجب أن لا تقتصر على تخفيف آثارها، بل يجب أن تُستخدم كفرصة لإعادة هيكلة الاقتصاد. وهنا يظهر دور ما يسمى ”الاستراتيجيات الصناعية الخضراء الموجهة”، التي تقوم على تحديد أهداف وطنية واضحة، مثل التحول إلى الطاقة النظيفة أو تعزيز الإنتاج المحلي، وتوجيه الاستثمارات العامة والخاصة لتحقيق هذه الأهداف.
الاستثمار في الطاقة المتجددة ليس خياراً بيئياً فقط، بل هو أيضاً خيار اقتصادي بامتياز. فهو يقلل الاعتماد على الخارج، ويخلق وظائف جديدة، ويرفع الإنتاجية على المدى الطويل. وتشير التقديرات إلى أن كل وحدة استثمار في التحول الأخضر يمكن أن تولد عدة أضعافها من القيمة الاقتصادية، سواء من خلال النمو المباشر أو من خلال الآثار غير المباشرة مثل تحسين الصحة العامة وتقليل تكاليف الطاقة.
تحقيق هذا التحول يتطلب تنسيقاً مؤسسياً عالياً. فسياسات الطاقة لا يمكن فصلها عن سياسات الإسكان والنقل والتكنولوجيا والتعليم. كما أن الاعتماد المفرط على أدوات السياسة النقدية، مثل رفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم، قد يكون غير فعال في مواجهة صدمات ناتجة عن نقص في العرض، بل قد يؤدي إلى تقليص الاستثمار في القطاعات الحيوية.
في هذا السياق، يصبح دور الدولة محورياً. ليس فقط كمنظم للسوق، بل كمحفز للاستثمار، وموجه للاقتصاد نحو أهداف طويلة الأجل. وهذا يتطلب بناء مؤسسات قادرة على التخطيط والتنفيذ، وتبني نهج استباقي بدلاً من رد الفعل.
بالنسبة لدول مثل الأردن، التي تعاني من محدودية الموارد وارتفاع الاعتماد على الاستيراد، فإن صدمات الطاقة تمثل تحدياً مضاعفاً، لكنها أيضاً فرصة لإعادة التفكير في النموذج الاقتصادي. فبدلاً من الاكتفاء بإدارة الأزمات، يمكن استخدام هذه اللحظة لدفع استثمارات في الطاقة المتجددة، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتحسين كفاءة استخدام الطاقة.
الخلاصة أن صدمات الطاقة ليست مجرد أزمات عابرة، بل إشارات تحذيرية تدعو إلى تغيير جذري في طريقة إدارة الاقتصاد. والدول التي تنجح في تحويل هذه الصدمات إلى فرص، ستكون الأكثر قدرة على تحقيق الاستقرار والنمو في عالم يتسم بالتقلب وعدم اليقين.