الانتشار العسكري الأمريكي في المنطقة هو الأضخم منذ العام ألفين وثلاثة، وهو ما يعزز من الضغط الأميركي على طهران في ظل التوترات السائدة.
ما شهدته المنطقة خلال الفترة الماضية من اعتراضٍ لناقلات محمّلة بالنفط الإيراني من قبل الولايات المتحدة ومصادرة عددٍ منها، يعكس طبيعة الضغط الاقتصادي الذي تقوم به واشنطن تجاه طهران، في ظل سوء الأوضاع الاقتصاديّة التي يعيشها المواطن الإيراني الذي فقد القدرة الشرائيّة، وارتفاع معدل التضخم إلى نحو السبعين بالمئة وما رافقه من ارتفاع لمعدلات البطالة إلى ما يقارب الخمسين بالمئة، وكذلك ارتفاع معدلات الفقر إلى ما يزيد على أربعين بالمئة، في وقت لم يتسلم أفراد وضباط الجيش الإيراني رواتبهم منذ أشهر؛ كل ذلك هو استراتيجيّة أمريكية للضغط على إيران سياسيًا من خلال الضغط العسكري.
النظام الإيراني يدرك تمامًا بأنّ محاصرة الموانئ الإيرانيّة ومنع تصدير النفط الإيراني والذي يستخدم أغلبه في سوق الداخل، يعني حرمان طهران من نحو خمسمئة مليون دولار يوميًّا من هذهِ العائدات، والتي كانت توظف لصالح التسليح وتطوير البرنامجين النووي والبالستي، عدا عن مخصصّات دعم الأذرع والوكلاء في المنطقة.
يضاف إلى ذلك مخاوف إيران من عدم قدرتها على تخزين النفط الذي يُنتج من جزيرة خرج جرّاء قرب امتلاء خزاناتها النفطيّة، الأمر الذي دفعها إلى الاستعانة بناقلة النفط ناشا والتي كانت خارج الخدمة منذ سنوات، لتكون ناقلة عائمة في جزيرة خرج الإيرانيّة لتخزين النفط.
النظام الإيراني يدرك تمامًا بأنّ مواصلة الحصار الأمريكي على إيران، ومنعها من تصدير النفط يعني في حال استمراره توقف طهران عن إنتاج النفط، وبالتالي الخشية من إغلاق الآبار وهو ما سيؤدي إلى دخول المياه الجوفيّة إليها، الأمر الذي سيشكّل كلفة ماليّة كبيرة في حال إعادة تشغيلها مجددًا.
الحشد العسكري الأميركي في المنطقة يعكس استعداد واشنطن لسيناريو التصعيد مجددًا، في وقت تسير فيه نحو المسار التفاوضي دون إغلاقه، لكن إلى متى؟!
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يسعى من خلال الإبقاء على باب المفاوضات مفتوحًا إلى التوصل إلى اتفاق مع طهران تتخلى فيه عن برامجها في تخصيب اليورانيوم، وكذلك تسليم ما لديها من يورانيوم مخصّب، أو أن تصل المفاوضات إلى الباب المغلق؛ وبالتالي ستكون الذريعة للرئيس ترامب لشن الهجمات مجددًا على إيران.
في مقابل ذلك إيران اعتادت المزايدة في مفاوضاتها؛ فهي تستخدم كل مفاوضاتها لتكون ورقة ضغطٍ بيدها، فهي تتقن منذ عقود من الزمن فن التفاوض كسلاح لتعقيد المشهد، وشراء الوقت لإعادة إنتاج ذاتها والضغط بأوراق أقوى.
من يتابع المفاوضات التي خاضتها إيران من سنوات طويلة يلاحظ أنّها تستجيب للوسطاء وتسارع في الاستجابة للمشاركة في أي مفاوضات تطرح عليها، لكنّها هي من توزع الأدوار في التصريحات بين قياداتها وتظهر الانقسام والاختلاف في الرَّأي الداخلي حتى تساوم وتراوغ دون إيصال الطرف الآخر لنتيجة!.
إيران هي إيران وإن فقدت العشرات من قياداتها المفصليّة، ونظامها الراديكالي قائم على إحداث تغييرات جوهريّة في بنية المجتمعات العربيّة، عبّر تصدير الثورات لتغيير بنية الأنظمة السياسيّة، وستبقى سياستها كما هي، ويبدو أنّ ما تظهره إيران للرَّأي العام الدولي على عكس حقيقة الواقع.