يمثل إطلاق مشروع الناقل الوطني للمياه ومشروع سكة حديد ميناء العقبة تحولا نوعيا في مسار الاقتصاد الأردني، ليس بسبب حجمهما الاستثماري الكبير فقط (تزيد على 8 مليارات دولار)، بل لأنها أيضاً تعكس انتقالا تدريجيا من نموذج اقتصادي يقوم على "إدارة الاستقرار" والتعامل مع "ردة الفعل"، إلى نموذج مختلف يصنع الفعل الاقتصادي ويسعى لرفع الانتاج والطاقة الإنتاجية وكسر القيود الهيكلية التي أعاقت النمو لعقود، وصولاً لدفع الناتج الفعلي أكثر نحو الناتج الممكن!
حتى نفهم هذا التحول بعمق أكبر، يمكن الاستعانة بنظرية "الدفعة الكبرى"، والتي تقوم على فكرة اقتصادية مهمة قوامها أن الاقتصادات النامية لا تحقق نقلة نوعية من خلال مشاريع متفرقة، بل عبر حزمة استثمارات كبيرة دافعة ومتزامنة تدفعه نحو تسريع عجلة الاقتصاد. في حالة الاقتصاد الاردني، تتجسد هذه الفكرة بوضوح، حيث يعالج مشروع الناقل الوطني قيد "ندرة المياه"، بينما تعالج سكة الحديد قيد "كلفة النقل" واذا ما اكتملت الحلقة بمشاريع الطاقة المتجددة، فإننا نتحدث عن مشاريع حيوية ستخلق أثرا تكامليا يرفع كفاءة الاقتصاد ككل.
من زاوية العرض والطلب الكلي، يظهر الأثر المرحلي لهذه المشاريع بعدة أبعاد! ففي المدى القصير، أي خلال سنوات التنفيذ، سيرتفع الطلب الكلي بشكل ملحوظ نتيجة البدء بالتدفق النقدي للاستثمار وأعماله، هذا الإنفاق سيحفز قطاعات المقاولات، والخدمات الهندسية، والتمويل، والطاقة، وسيرفع الطلب على العمالة، ما يدعم النمو والتشغيل. لكن مهم الأخذ بعين الاعتبار بأن هذا الارتفاع في الطلب قد يحمل معه ضغوطا تضخمية محدودة إذا لم يكن الاقتصاد قادرا على الاستجابة السريعة، خاصة في قطاعات مثل الإنشاءات والطاقة. ومع ذلك، فإن هذه الضغوط تبقى مؤقتة بطبيعتها، لأنها مرتبطة بمرحلة التنفيذ.
في المقابل، يبدأ الأثر الأعمق بالظهور في المدى المتوسط والطويل، حيث يتحسن العرض الكلي. فالناقل الوطني يزيد كميات المياه المتاحة، ما يساهم في تحسين الإنتاج في قطاعات واسعة. وسكة الحديد تخفض كلف النقل وتزيد كفاءة سلاسل التوريد وتربط الإنتاج بميناء العقبة بكفاءة أعلى. هذا التحسن يدفع منحنى العرض الكلي "باتجاه زيادة الإنتاج. النتيجة الاقتصادية لهذه لذلك هي انتقال الاقتصاد من نمو مدفوع بالطلب في المدى القصير، إلى نمو مدفوع بالإنتاج في المدى الطويل. وهذا هو جوهر التحول الهيكلي الذي تسعى إليه السياسات الاقتصادية الراشدة.
إلى جانب ذلك، فإن تحليل الكلفة والمنفعة ضروري لتقييم جدوى هذه المشاريع. فمن حيث الكلفة، يبلغ إجمالي كلفة مشروع الناقل الوطني نحو 5.8 مليار دولار، منها 4.3 مليار كلفة رأسمالية، مع مساهمة مباشرة من الخزينة تقارب 722 مليون دولار، إضافة إلى تمويل من البنوك المحلية وصندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي. أما مشروع سكة الحديد، فيندرج ضمن اتفاقية استثمارية بقيمة تقارب 2.3 مليار دولار.
هذه الكلف تطرح تساؤلات مشروعة حول الاستدامة المالية، خاصة في ظل مستويات الدين العام. فارتفاع الالتزامات التمويلية قد يزيد الضغط على المالية العامة، كما أن كلف التمويل والفوائد تمثل عبئا طويل الأجل. كما تبقى هناك مخاطر مرتبطة بتنفيذ المشاريع الكبرى، مثل التأخير أو تجاوز الكلف التقديرية.
لكن في المقابل، لا يمكن تقييم هذه المشاريع من زاوية الكلفة فقط، فالمنفعة الاقتصادية تتجاوز العائد المالي المباشر. في مشروع الناقل الوطني، تتمثل القيمة الأساسية في إزالة قيد المياه الذي كان يحد من التوسع الاقتصادي. أي أن العائد الحقيقي يظهر في الاستثمارات الجديدة التي ستصبح ممكنة، وفي زيادة الإنتاج في قطاعات الصناعة والزراعة وغيرها.
بعبارة أخرى، فإن المعادلة الاقتصادية هنا تقوم على المقارنة الجوهرية بين متوسط المنفعة (تشمل العوائد) مقابل متوسط الكلفة. فإذا أدت هذه المشاريع إلى رفع معدل النمو الحقيقي للاقتصاد بنسب مئوية أعلى من كلفها، فستتجاوز المنافع الاقتصادية الكلف على المدى الطويل. أما إذا بقي النمو عند مستوياته الحالية، فإن العجز السنوي سيتحول إلى عبء مالي مستمر. لذلك، ورغم صعوبة الاجابة المباشرة -خاصة بدون أرقام تفصيلية متاحة- إلا أن طبيعة هذه المشاريع تشير إلى أنها استثمارات في البنية التحتية الإنتاجية، أي أنها ترفع الناتج المحتمل للاقتصاد وليس فقط الطلب المؤقت.
مع ذلك، يبقى نجاح هذه المعادلة مشروطا بعدة عوامل، أولها كفاءة التنفيذ والالتزام بالكلف التقديرية والجداول الزمنية. ثانيها القدرة على إدارة التمويل واستدامته. وثالثها، وهو الأهم، قدرة الاقتصاد على استثمار هذه البنية التحتية عبر جذب استثمارات جديدة وزيادة الإنتاج والتصدير، تمكن الاقتصاد من تحويل هذه الاستثمارات إلى نمو فعلي يرفع الإيرادات ويغطي هذه الالتزامات على المدى المتوسط والطويل.
مجدداً، تمثل هذه المشاريع اختبارا حقيقيا لقدرة الاقتصاد الأردني على الانتقال من مرحلة الاستقرار إلى مرحلة النمو المدفوع بالانتاج. وإذا ما نجحت، فإنها ستشكل نقطة تحول تنقل الاقتصاد من ردة الفعل الى الفعل نفسه، مع اكتمال حلقة الطاقة والنقل والمياه في العملية الانتاجية، هذه المشاريع تجسيد عملي لفكرة "الدفعة الكبرى" في الاقتصاد، حيث تتكامل الاستثمارات الكبرى لخلق أثر اقتصادي يعكس قيمتها المضافة العالية في الاقتصاد على النمو والتشغيل.