لم تتوقف حرب الأربعين يوماً، وكل ما في الأمر أن شكلها تغيّر؛ ففي الحروب الكبرى، يُعدّ الدخول في المفاوضات إعلاناً عن مرحلة جديدة من الحرب، تتوقف فيها الآلة العسكرية المباشرة، ويبدأ كل طرف بمحاولة تحويل منجزاته العسكرية، أو فهمه لما آلت إليه مجريات المواجهات العسكرية، إلى مكاسب تُثبَّت من خلال أي اتفاق تفرزه المفاوضات. وبما أن هذه الاتفاقات والمواثيق هي التي تحدد المنتصر في المعركة، ولها أثر مشهود وبعيد المدى، فإن خوض هذه المفاوضات لا يقل صعوبةً وتحدياً لكل طرف. وهنا أيضاً نلمس حجم التصعيد الإعلامي، وحرب البيانات والبيانات المضادة، وهي جميعها عمليات شبه عسكرية يسعى من خلالها كل طرف إلى فرض أجندته أو إرادته على طاولة الحوار الساخن.
أميركا وإيران تستكملان الحرب بشكل آخر، والمضيق يضيّق أنفاس الطرفين. وصحيح أيضاً أن إسرائيل، الشريك الأساسي في الحرب، تغيب عن هذه المفاوضات التي حدثت والتي يُعدّ لها، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، غير أنها تحضر بكامل مطالبها وأهدافها من خلال الوفد الأمريكي، الذي يُعدّ وفداً بوجهين من حيث التوافق على الأهداف الأساسية، وإن اختلفت بعض التفاصيل أو الأولويات هنا وهناك. إذن، فالمسألة ليست أقل تعقيداً من مجريات الحرب التي وصلت، قبيل توقفها، إلى حالة من الاستعصاء العسكري، لأسباب تتعلق بأزمة عالمية للطاقة تلوح في الأفق، وحساسية الشركاء في المنطقة الذين لم يرحبوا بهذه الحرب وحذروا منها قبل أن تبدأ، إضافة إلى وصول البنى التحتية الأساسية في المنطقة إلى حافة الدخول في أتون المواجهة العسكرية، وهو أمر سعت جميع الأطراف إلى تجنبه قدر الإمكان.
يتضح جلياً أن الإدارة الأمريكية موحّدة الأهداف والرؤى، بعكس ما يصدر عن ترامب من تصريحات متناقضة حدّ التصادم. وأعتقد أنه بذلك يخاطب الأسواق المالية تارة، ويوسّع دائرة الاحتمالات السياسية تارة أخرى؛ فهو يقول الشيء ونقيضه في الجملة ذاتها، وهذا سياق ترامبي ترسّخ ولم يعد يدعو للغرابة. وبالرغم من أن لدى إسرائيل أولويات، كحزب الله والنووي الإيراني والصواريخ الباليستية، باعتبارها أكثر تأثيراً عليها من إغلاق مضيق هرمز، فإن أميركا تضع فتح المضيق أولوية بالغة الأهمية. لكن في السياق العام، فإن إسرائيل تسير ضمن القافلة الأميركية، ولا تجاهر بمعارضتها، حفاظاً على هذا التحالف الاستراتيجي حياً ومؤثراً ومنتجاً.
إيران، كما يظهر منها سياسياً، لا تعكس ما يجري في الباطن؛ فقد حيّد العسكرُ الساسةَ، وقلّصوا من فعاليتهم إلى حدّ لافت. وكثيراً ما وجدنا الرئيس بزشكيان ووزير الخارجية عراقجي يقعان في حرج سياسي وقلة حيلة على الملأ، حين يدليان بتصريحات يناقضها وينفيها بشكل سافر الحرس الثوري الإيراني. وبما أن المرشد المفترض، مجتبى، في عداد المفقودين حتى اللحظة، تبقى إيران بلا رأس واضح للدولة، ويؤول الأمر إلى العسكر، وهو أمر بالغ الخطورة؛ فغياب السياسة عن الماكينة العسكرية من شأنه أن يفضي إلى نتائج كارثية على المدى القصير والمتوسط، مذكّراً بما آلت إليه أوضاع دول المحور في الحرب العالمية الثانية، حين انقلب السحر على الساحر، بعد أن غلب قادة المحور الجانب العسكري على الحكمة السياسية، فنتج عن ذلك خسائر سياسية أعقبتها هزائم عسكرية أخرجت تلك الدول من المعادلة الدولية لعقود طويلة، ناهيك عن خسائر البنى التحتية والمآسي البشرية وفقدان التنمية لسنوات ممتدة.
ربما لا يكرر التاريخ نفسه بحذافيره، لكن فيه دروساً وعِبَراً؛ ومن لا يتكئ على تاريخ الأمم يفقد البوصلة ويخاطر كثيراً بمستقبل بلده وشعبه. وأعتقد أن إيران اليوم بحاجة ماسة إلى رأس سياسي قوي، يعمل على لملمة ما وصلت إليه الأوضاع. فلا ننسى الكلف الكبيرة على الشارع الإيراني، الذي لن يبقى محايداً لفترة طويلة إذا ما ساءت الأمور أكثر. إيران اليوم لن يفيدها كثيراً التلويح بمواصلة المواجهة أو التعويل على الصبر الاستراتيجي؛ فالواقع الداخلي، والجبهة الدولية التي بدأت تتشكل مع استمرار الأزمة، سيجعلان الأوضاع أكثر صعوبة، وقد يدفعان بها إلى منزلق أكثر خطورة ودماراً.