في زمنٍ تتسارع فيه الكلمة قبل الفكرة، وتُختزل فيه الوقائع في منشورٍ عابر، تبرز ظاهرة خطِرة تتمثل في تضخيم أصواتٍ شاذة على مواقع التواصل الاجتماعي، تصدر عنها إساءاتٌ وتجاوزات، ثم تُقدَّم — زوراً — بوصفها مرآةً للمجتمع. والحقيقة أن هؤلاء لا يمثلون إلا أنفسهم؛ فهم موجودون في كل مجتمع، وفي كل شريحة، لكنهم ليسوا معياراً ولا عنواناً.
إن الانجرار وراء هذه الأصوات يمنحها ما تبحث عنه: الانتشار والتأثير. والأخطر أنه يُربك الوعي العام، ويُهدد تماسك النسيج الوطني، حين تتحول حالات فردية إلى مادةٍ للاتهام والتعميم. هنا، يصبح واجباً وطنياً وأخلاقياً أن نميّز بين السلوك الفردي وصورة المجتمع، وأن نرفض أن تُختطف بوصلتنا من قبل أصحاب الأسبقيات أو من اعتادوا الإثارة على حساب الحقيقة.
الدولة ليست غائبة عن هذا المشهد؛ فلدينا مؤسسات إنفاذ قانون راسخة، وقضاء أردني عادل نعتز بكفاءته ونزاهته. الطريق السليم ليس في المحاكمات الشعبية، ولا في حملات التشهير؛ بل في ترك الأمر لجهاته المختصة لتقول كلمتها وفق القانون. ومن هنا تبرز وجاهة التفكير بإجراءاتٍ تحدّ من نشر مثل هذه القضايا في مراحلها الأولى، حتى لا تتحول منصات التواصل إلى ساحاتٍ للتجييش، بما يهدد السلم المجتمعي ووحدتنا الوطنية.
لا دفاع عن مسيء، ولا دعوة للتهاون مع التجاوزات؛ بل تأكيدٌ على أن العقوبة شأن الدولة، وأن العدالة لا تُدار بالانفعال. وفي الوقت ذاته، ثمة بعدٌ إنساني لا ينبغي إغفاله؛ فبعض من يسيء تبدو عليه علامات اضطرابٍ أو اختلالٍ نفسي، وهؤلاء أولى بالدعاء لهم بالشفاء، والنظر إليهم بعين الشفقة لا بعين الإهانة. فلهم أسرٌ كريمة، ومواطنون صالحون يتألمون لما صدر منهم، وندرك جميعاً أن الابتلاء قد يطرق أي بيت.
لقد تعلّم الأردنيون، بقيادتهم الهاشمية الحكيمة، أن الرحمة لا تُناقض الحزم، وأن الصفح لا يُلغي سيادة القانون. ونحن شعبٌ يصون الأعراض والكرامات والأموال، ويضرب مثلاً في التسامح والتعايش، كما يضرب مثلاً في الصلابة حين يتهدد الوطن خطرٌ حقيقي. فلا نسمح لقلةٍ عابثة أن تُشوِّش على هذه الصورة، ولا نُسلِّم الرأي العام لأصحاب الأسبقيات أو المجرمين أو المدمنين.
الأردن سيبقى عزيزاً آمناً مستقراً، بوحدة أبنائه، وثقتهم بدولتهم، والتفافهم حول قيادتهم، ووعيهم بأن الضجيج ليس رأياً، وأن الكرامة الوطنية تُصان بالعقل والحكمة، لا بردود الفعل المتعجلة.
حفظ الله الأردن، قيادةً وشعباً، ودامت رايته خفّاقةً بالعز والسكينة.