فقد كان، وما زال، البرنامج الأردني لسرطان الثدي مثالًا مشرّفًا يُحتذى به، فبفضل حملات التوعية والوصول إلى النساء في أقصى المناطق، نجح في رفع معدلات الكشف المبكر وإحداث نقلة نوعية في التشخيص. قصص النساء اللواتي أُنقذت حياتهن بفضل هذا البرنامج ليست مجرد إحصاءات، بل هن أمهات وزوجات عُدْنَ إلى أحضان أسرهن. اليوم نحلم بأن ينعم الرجال والنساء على حد سواء بهذه النعمة، وأن يمتد النجاح ليحمي الأردنيين ذكورًا وإناثًا من ثاني أكبر سبب للوفيات بالسرطان، إنه سرطان القولون والمستقيم.
الحلم ببرنامج وطني لسرطان القولون ليس وليد اللحظة، بل هو ثمرة جهود كانت قد بدأت منذ سنوات. ففي عام 2022، أعلنت وزارة الصحة عن نيتها إطلاق أول برنامج وطني للكشف المبكر عن سرطان القولون. تبع ذلك دراسات علمية دقيقة ومسوحات وطنية واسعة؛ حيث كشفت إحدى الدراسات الوطنية أن حوالي 29% من الناس لا يملكون معلومات كافية عن الفحص بالمنظار، و10% يخافون من مضاعفاته، بينما لم يخضع للفحص بالمنظار سوى 9% فقط. كما أظهرت دراسات ميدانية أن المواقف تجاه الفحص إيجابية، لكن الفجوة المعرفية لا تزال كبيرة.
ثم جاءت نقطة التحول عام 2026، عندما أطلقت الأردن – برعاية كريمة من سمو الأميرة غيداء طلال، رئيسة هيئة أمناء مؤسسة ومركز الحسين للسرطان – "الاستراتيجية الوطنية للسيطرة على السرطان 2026-2030"، والتي تضمنت – لأول مرة – التوسع في فحص سرطان القولون كأولوية وطنية. لقد كانت هذه الاستراتيجية حجر الأساس الذي طال انتظاره.
لماذا نحتاج هذا البرنامج الآن؟
أولًا: الأرقام لم تعد تحتمل التأجيل، فسرطان القولون والمستقيم يُعد ثاني أكثر السرطانات شيوعًا في الأردن، وثاني أكبر سبب للوفاة بين الذكور، إذ تشير بيانات السجل الوطني للسرطان إلى أنه يُسجل سنويًا ما يقارب ألف حالة سرطان قولون ومستقيم جديدة. ومع تقدم السكان في العمر، من المتوقع أن تتضاعف نسبة كبار السن، مما يزيد حجم المشكلة.
ثانيًا: هناك مبرر إنساني واقتصادي واضح للبدء بهذا البرنامج بشكل عاجل دون تأخير، فالكشف المبكر لا ينقذ الأرواح فحسب، بل يحول دون تحول الأورام الحميدة إلى أورام خبيثة. فحص دوري بسيط لا تُذكر تكلفته يقابله علاج كيماوي وإشعاعي وجراحي في المراحل المتأخرة، يكلف مئات الملايين سنويًا. فقد ثبت، بما لا يترك مجالًا للشك، أن كل دينار يُنفق على الوقاية من السرطان يوفر ثلاثة إلى عشرة دنانير من تكاليف العلاج.
قصص سرطان القولون تنتظر أن تُكتب، فهي لمسات إنسانية لا تُقدّر بثمن. وراء كل رقم (حالة سرطان) قصة إنسانية مؤثرة؛ تحضرني منها قصة أحد الزملاء الأطباء، وهو أب أربعيني، كان يشعر ببعض الإرهاق وفقدان بسيط للوزن، فشُخّص بسرطان قولون متأخر، فترك أطفاله بلا معيل. وقصة أم – وهي طبيبة زميلة أيضًا – في الخمسين من عمرها، أهملت فحصًا بسيطًا للبراز خوفًا من الإحراج أو النتيجة، لتكتشف المرض بعد فوات الأوان، وتحرم من فرصة الشفاء التي كانت في متناول يدها. على الجانب الآخر، قصص النجاة التي نسمعها من مركز الحسين للسرطان تمنحنا أملًا كبيرًا؛ مرضى اكتُشفت إصابتهم مبكرًا بالصدفة أو عبر فحص ذاتي أو فحص بسيط للبراز، فخضعوا لتدخل بسيط، وعادوا إلى حياتهم الطبيعية يمارسون رياضتهم ويعانقون أحفادهم. هؤلاء خير دليل على أن الأمل موجود، لكنه مرهون بالكشف المبكر.
خلاصة القول، إن استحداث هذا البرنامج الوطني ليس مجرد قرار صحي، بل هو فتح الباب أمام المئات لكتابة قصص نجاح جديدة؛ قصص يُعاد فيها كتابة القدر، ويُمنح فيها إنسان عادي فرصة جديدة للحياة، ليكبر أطفاله، ويحقق أحلامه، ويبقى جزءًا من نسيج هذه العائلة وهذا الوطن.
خاتمة القول، من حقنا أن نحلم اليوم، وأن نعمل غدًا، ونثق أن البرنامج سيكون حقيقة قريبًا. فلنرفع أصواتنا بمطالبة سادة شأننا الصحي: معالي وزير الصحة النشيط (أبو عمر)، وعطوفة الأخ المبدع، الذي يواجه السرطان من المسافة صفر، الدكتور عاصم منصور، مدير عام مركز الحسين للسرطان، بالإسراع في تحقيق الحلم. ولنكن جميعًا شركاء في نشره بين أهلنا، فصحة أهل الأردن هي ثروته الحقيقية.
* أمين عام المجلس الصحي العالي السابق