الأكاديمية الأردنية للإدارة الحكومية بين القانون والسياسة: ولادة مرحلة جديدة

تاريخ النشر : الأحد 11:28 19-4-2026
د. يزن دخل الله حدادين

يمثل إنشاء الأكاديمية الأردنية للإدارة الحكومية تحولًا مؤسساتيًا لا يمكن قراءته كإجراء إداري تقني أو مجرد تغيير اسم بل كخطوة سياسية-قانونية ضمن مشروع أوسع لإعادة تعريف وظيفة أدوات الدولة في إدارة الموارد البشرية. فقرار مجلس الوزراء بإقرار نظام الأكاديمية لسنة 2026 مع النص الصريح على أنها الخلف القانوني لمعهد الإدارة العامة يكشف أن الدولة لا تريد إصلاح المؤسسة السابقة فقط بل إعادة تأسيسها ضمن فلسفة مختلفة ومتكاملة للإدارة.

من الناحية القانونية، مفهوم "الخلف القانوني" ليس مصطلحًا شكليًا بل هو أداة انتقال سيادي للحقوق والالتزامات. فحين تُنشأ مؤسسة جديدة بصفتها خلفًا قانونيًا فإنها تحل محل الكيان السابق في جميع مراكزه القانونية: العقود، الالتزامات، الحقوق، الملكيات، وحتى المسؤوليات. هذا يعني أن المشرع الأردني اختار الاستمرارية القانونية مع القطيعة المؤسسية، أي الحفاظ على الاستقرار القانوني للمعهد السابق مع إعادة صياغة دوره ووظيفته ضمن إطار جديد. هذه التقنية التشريعية تُستخدم عادة عندما يكون التغيير المطلوب ليس في الوجود القانوني للمؤسسة بل في نموذج عملها وصلاحياتها وحدود تأثيرها.

سياسيًا، يمكن فهم هذا التحول في سياق مشروع تحديث القطاع العام الذي يسعى إلى نقل الإدارة الحكومية من نموذج تقليدي إلى نموذج قائم على الكفاءة والنتائج. المعهد بوصفه مؤسسة تدريبية تقليدية كان يعمل ضمن منطق الدورات، أي تقديم برامج تدريبية منفصلة. أما الأكاديمية وفق التصور الجديد فهي منصة لإدارة رأس المال البشري الحكومي تربط التدريب بالترقية والكفاءة بالمسار المهني والتقييم بالأداء المؤسسي، وهو ما يشير إلى الانتقال من التدريب كخدمة إلى التأهيل كسياسة عامة.

هذا التحول يعكس أيضًا إدراكًا سياسيًا عميقًا بأن أزمة الإدارة العامة في الأردن ليست نقصًا في التدريب بل في طبيعة البناء المؤسسي الذي لم يكن يحقق التكامل بين التدريب والتخطيط الوظيفي. لذلك جاء إنشاء الأكاديمية ليؤسس لنموذج جديد يقوم على توحيد المعايير الوطنية للتدريب وربطها بأولويات الدولة وإدخال مفاهيم مثل التعلم المستمر والتعلم الرقمي والتدريب المرتبط بالتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي.

السبب الحقيقي لاستبدال المعهد بكيان جديد لا يكمن فقط في تطوير الأداء بل في تجاوز محدودية الإطار القانوني القديم. فالمعاهد التقليدية غالبًا ما تكون مقيدة بهياكل إدارية قد تكون جامدة وصلاحيات محدودة ونماذج تمويل تقليدية. أما الأكاديمية فهي تُنشأ عادة بنظام قانوني أكثر مرونة يسمح بالشراكات مع الجامعات والقطاع الخاص ويمنحها قدرة على استقطاب الخبرات وتطوير برامج حديثة وحتى إنتاج معرفة تطبيقية في مجال السياسات العامة. وهذا التحول يحمل دلالة سياسية نحو حوكمة تشاركية بدلاً من الاحتكار الحكومي للمعرفة الإدارية.

من زاوية أعمق، يمكن قراءة هذا القرار كجزء من إعادة بناء الدولة المهنية في الأردن. فالدولة الحديثة لا تُقاس فقط بقوانينها بل بقدرتها على إنتاج جهاز إداري قادر على تنفيذ هذه القوانين بكفاءة. ومن هنا فإن الأكاديمية ليست مؤسسة تدريب بل أداة لإعادة تشكيل الثقافة الإدارية نفسها عبر إدخال قيم جديدة مثل الابتكار والمساءلة والقيادة التحويلية. وهذا يفسر تركيز النظام على إعداد القيادات وليس فقط الموظفين في إشارة إلى أن الخلل في الإدارة غالبًا ما يكون في مستوى القيادة التقني والفني لا التنفيذي.

أما الأثر المتوقع على الأداء الحكومي فيتجاوز تحسين المهارات الفردية إلى إعادة ضبط العلاقة بين الموظف والدولة. عندما يصبح التدريب مرتبطًا بالمسار الوظيفي وعندما تُقاس الكفاءة بمعايير وطنية موحدة فإن ذلك يؤدي إلى تقليص ضعف ضوابط التعيين والترقية وتعزيز مبدأ الجدارة. كما أن توحيد الأطر والمعايير التدريبية يخلق لغة مشتركة داخل الجهاز الحكومي ما يسهل التنسيق بين المؤسسات ويحد من التباين في الأداء.

لكن الأهم سياسيًا هو أن هذا التحول يعكس انتقال الدولة من دور المشغل إلى دور المنظم والممكن. فبدلاً من أن تقوم الحكومة بكل شيء بنفسها، تسعى الأكاديمية إلى بناء منظومة تسمح بمشاركة القطاع الخاص ومزودي التدريب، ما يفتح الباب أمام سوق وطني للتدريب الحكومي ويخلق ديناميكية تنافسية قد تنعكس إيجابًا على جودة الخدمات العامة.

ولا يمكن إغفال أن هذه الخطوة تمثل جرأة سياسية محسوبة من الحكومة، فهي لا تكتفي بإصلاح تدريجي بل تقدم على إعادة هندسة مؤسسة راسخة واستبدالها ضمن إطار قانوني جديد، وهو قرار عادة ما تتجنبه الحكومات لما يحمله من مخاطر مؤسسية وإدارية. هذه الجرأة تعكس ثقة بقدرة الدولة على إدارة التحول كما تعكس إرادة حقيقية في الانتقال من المعالجات الشكلية إلى التغيير البنيوي العميق. وإذا ما كُتب لهذه الأكاديمية النجاح في تحقيق أهدافها فإنها لن تكون مجرد تجربة وطنية ناجحة بل قد تتحول إلى نموذج عربي متقدم يُحتذى به في إعادة بناء الإدارة العامة خصوصًا في الدول التي تواجه تحديات مشابهة. بل يمكن القول إن نجاحها سيضع الأردن في موقع ريادي إقليميًا في مجال تطوير الإدارة الحكومية ويمنحه قدرة على تصدير الخبرة والمعرفة المؤسسية، وهو ما يشكل قيمة مضافة تتجاوز البعد الإداري إلى البعد السياسي الاستراتيجي.

لذلك، فإن إنشاء الأكاديمية الأردنية للإدارة الحكومية بصفتها خلفًا قانونيًا لمعهد الإدارة العامة ليس مجرد تحديث مؤسسي بل إعادة تعريف لدور الدولة في إدارة مواردها البشرية. هو انتقال من مؤسسة تدريب تقليدية إلى بنية استراتيجية لإنتاج الكفاءة الحكومية، ومن منطق إداري إلى منطق سياسي وقانوني وفني وديناميكي يرى في الإنسان الحكومي محور الإصلاح. نجاح هذا التحول لن يُقاس بإنشاء الأكاديمية بحد ذاته بل بقدرتها على كسر النمط التقليدي وتحويل التدريب من نشاط عادي إلى أداة سيادية وإدارية محترفة في بناء الدولة.

محامٍ وخبير قانوني

[email protected]

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }