في معادلات القوة، لا تكمن الخطورة في امتلاك الورقة بحد ذاتها، بل في لحظة تآكل قيمتها. ومضيق هرمز، بوصفه أحد أهم ممرات الطاقة في العالم، يمثل اليوم حالة نموذجية لسؤال افتراضي ذي أبعاد استراتيجية: ماذا لو لم يعد هذا المضيق نقطة اختناق حاسمة؟
يمر عبر المضيق ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية، وهو ما منح إيران ورقة ضغط مؤثرة لعقود. غير أن هذه الورقة تستمد فعاليتها من غياب البدائل. وبالتالي، فإن أي تحوّل في هذا الافتراض يفتح الباب أمام إعادة تقييم شاملة لقيمتها.
فرضية البدائل: تغيير قواعد اللعبة
إذا افترضنا أن الدول المصدّرة، وخصوصًا في دول الخليج العربي، اتجهت بشكل منهجي نحو بناء منظومة بدائل متكاملة - برية وبحرية - فإن مركزية مضيق هرمز ستتراجع بطبيعة الحال.
هذه البدائل لا تقتصر على مسار واحد، بل تقوم على تكامل مجموعة من الخيارات: توسيع شبكات الأنابيب إلى موانئ خارج الخليج، تطوير منافذ تصدير مباشرة على بحار مفتوحة، وإنشاء منظومات لوجستية مرنة قادرة على إعادة توجيه الصادرات وفق الظروف. في هذه الحالة، لا يختفي دور المضيق، لكنه يفقد احتكاره.
ما بعد البحر الأحمر: تجاوز نقاط الاختناق
حتى البدائل التقليدية، مثل التوجه نحو البحر الأحمر، قد لا تكون نهاية المسار. فلو تطورت الاستراتيجيات إلى حد تقليل الاعتماد على باب المندب، فإن ذلك يعني الانتقال من إدارة المخاطر إلى إعادة هندسة المسارات بالكامل.
هذا السيناريو، وإن كان طموحًا، يعكس تحولًا في التفكير: من التعامل مع الجغرافيا كقيد، إلى التعامل معها كمتغير يمكن إعادة تشكيله.
انقلاب المعادلة: من الضغط إلى العبء
في ظل هذه الفرضية، تتغير طبيعة مضيق هرمز جذريًا. فإذا لم يعد الإغلاق قادرًا على إحداث تأثير ملموس في الأسواق أو على تدفقات الطاقة، فإن التهديد به يفقد وزنه الاستراتيجي.
بل إن الإغلاق - في هذه الحالة - قد يرتد سلبًا على إيران نفسها، عبر تقليص عوائدها الاقتصادية المرتبطة بالملاحة والتجارة، وتعريضها لضغوط دولية أشد دون مكاسب مقابلة، فضلًا عن تكريس عزلتها في نظام طاقة لم يعد يعتمد على موقعها الجغرافي. وهنا تتحول الورقة من أداة ضغط إلى عبء استراتيجي، إذ تصبح كلفتها أعلى من مردودها.
من الجغرافيا إلى المرونة الاستراتيجية
لا يفترض هذا الطرح أن البدائل قد اكتملت فعليًا، بل ينطلق من سؤال "ماذا لو؟". وهو سؤال كفيل بإعادة صياغة أولويات السياسات في المنطقة.
فكل استثمار في تنويع المسارات يقلّص من أثر المخاطر المركزة، وكل خطوة نحو الاستغناء الجزئي عن نقاط الاختناق تعزز الاستقرار طويل الأمد.
وفي حال تحقق هذا التحول، فإن مضيق هرمز لن يختفي من المعادلة، لكنه سيتحول من مركز ثقل إلى خيار ضمن شبكة أوسع، شبكة لا تمنح أي طرف القدرة على استخدام الجغرافيا كسلاح حاسم.
في تلك اللحظة، لن يكون السؤال: من يملك المضيق؟ بل: من يملك البدائل؟.