من نقل المعرفة إلى صناعة العقول: كيف تغيّر دور الأستاذ الجامعي بين الأمس واليوم؟

تاريخ النشر : السبت 11:29 18-4-2026
د. علاء عباس الطهراوي

في زمن تكدست فيه الأبحاث الأكاديمية، وتنوعت فيها المصادر المعرفية والعلمية، وكثرت فيه الهرولة وراء التصنيفات الدولية، وإعادة ترتيب ملفات الجودة. لم يَعُد السؤال: ماذا يُدرّس الأستاذ الجامعي؟ خصوصا أننا في زمن أصبحت فيه المعرفة متاحة بضغطة زر، ولكن أصبح السؤال: ماذا يُحدث الأستاذ الجامعي في طُلابه؟

قد يغيب عن الأذهان الدور الأسمى والجوهري لوجود الأستاذ الجامعي في قاعات المحاضرات، فهو لا يمثل خزان معلومات متنقل، ولا يعتبر آلة لتكرير المعرفة، ولم يعد دوره محصورًا في نقل المعلومات داخل قاعة التدريس. بل تجاوز دوره لمهمة أعمق وأكثر تأثيرًا، تتمثل في بناء وعي الإنسان، فهو المؤتمن الأول على تشكيل هوية الأجيال التي ستقود المستقبل، وهذا يتقاطع وبشكل مباشر مع مفهوم الإستخلاف فالإنسان مُكلّف بعمارة الأرض، وإدارة مواردها، وتحقيق العدل والخير فيها، وذلك من خلال توجيه وتوظيف المعارف والعلوم بما يتسق مع اهداف التعليم ويخدم المجتمع. فالأستاذ الجامعي وقبل ان يكون محاضراً، يظهر دوره بواسطة بصماته التي تصنع العقول عبر زراعة القيم قبل المعارف في نفوس الطلبة، وتفعيل أدوات النزاهة والمصداقية لديهم، وهنا اقصد الأستاذ الذي يصبو لبناء شخصية الانسان الواعي، من خلال تشجيع التفكير الناقد والحر المسؤول، فالأستاذ ليس بائعا للعلم ولا يساوم على الضمير فإذا صلُح الاستاذ الجامعي وارتقى بالأخلاق، صلُح جيل بأكمله وارتقت الأمة وزادت رفعة، وهذا لا يتأتى الا من خلال احترامه لعقول الطلبة وعدم الاستهانة بها، والايمان بقدراتهم، والعدل بينهم، وبهذا تزهو المنظومة التربوية والتعليمية بقيم أساتذتها فالأستاذية رسالة قبل ان تكون وظيفة، أي بمعنى ان الأستاذ الجامعي يبدأ دوره حين تنتهي النصوص المكتوبة في المقررات الأكاديمية.

بالمقابل، الطالب اليوم يستطيع الوصول إلى آلاف المصادر التعليمية عبر الإنترنت خصوصا انها متاحه بطريقة شبه مجانية، لكن ما لا يمكن للطالب فعله هو تحميل أو نسخ الوعي من تلك المصادر، وبالتالي أصبح لا يذهب للجامعة ليتعلم "ماذا يفكر" فحسب، بل لإتقان "كيف يفكر". وهنا يتجلى دور الأستاذ الجامعي ليس كمصدر للمعلومة، بل باعتباره ملهما ومرشدا فكريا يغرس في عقلية طلابه النقد والتحليل، وتحويل القاعة من ساحة للتلقين السلبي، إلى مختبر لصناعة الوعي عبر عدم وقوفه عند حدود الشرح، بل من خلال توظيف اليات طرح الأسئلة التي من شأنها توسيع مساحات النقاش الهادف، والتشجيع على التفكير العميق وتجنب السطحية، فالأستاذ ينفرد بصناعة عقلًا قادرًا على التحليل، لا اعداد ذاكرة تحفظ تتوفر فيها إجابات جاهزة، وهذا ما يُطلق عليه علم الاجتماع التربوي "المنهج الخفي" المتمثل بجميع ما يتعلمه الطالب من سلوك الأستاذ وأخلاقه وطريقة ادارته للاختلاف وصموده امام التحديات الفكرية.

من ناحية أخرى، قد يُطرح تساؤل من هنا او هناك، عن الإنجازات الفعلية للأستاذ الجامعي، وماهي اختراعاته، والخدمات الجلية التي يقدمها أساتذة الجامعات للمجتمعات عموما؟ مما لا شك فيه، ان هذا تساؤل مشروع، وبالرغم من البصمات التي قد يتركها الأستاذ الجامعي في نفوس طلبته من خلال صقل شخصياتهم المعرفية قيما وفكرا وعلما وهذا بحد ذاته يعد جهدا يقدر ويحترم، ولكن يجب ان تكون الإجابة على التساؤل تفصيلية وواضحة. فمن المجحف انكار وجود علماء افذاذ، وابحاث رصينة لا يشق لها غبار في المجتمعات العربية، وعليه من الظلم ان ننكر وجود قدرات علمية عالية وانجازات تحترم. ولكن للأسف البوصلة التي تنظم وتوجه هذه الجهود العلمية مفقودة، وهذا أدى لضعف المنظومة التي تهدف لتحويل الجهود الفكرية والعلمية لصناعة حقيقية ملموسة على ارض الواقع، يعزى ذلك لضعف المخصصات المالية التي تُعنى بالأبحاث التطبيقية، اضف لذلك نقص كبير في وجود اليات لصياغة شراكات مع القطاع الخاص، والافتقار لسياسات وطنيه لاستثمار نتائج البحوث في تنمية الاقتصاديات الوطنية، فمن المتعارف عليه عند كتابة الاستاذ الجامعي بحث في مجال معين، يتم نشرة في مجله علمية محكمة بهدف الترقية، ثم يركن في قواعد البيانات ليصبح دراسة سابقه لأبحاث لاحقه! ولهذا نجد كثير من الجامعات العربية خارج التصنيفات الدولية؛ ليس بسبب فشل الأساتذة الجامعيين ولكن لعدم وجود بيئة حاضنة. من جهة مغايرة نجد ان هناك أكاديميين عرب ذاع صيتهم في الدول المتقدمة ويشهد لذلك ابداعاتهم وابتكاراتهم العلمية التي تضاهي الإنجازات العالمية وعلى كافة الأصعدة؛ وذلك بسبب توفر البيئة الجامعية الحاضنة التي توفر كافة الإمكانيات التي تؤهلهم للوصول الى النتائج المطلوبة، أضف لذلك سعيهم لتمكين الاساتذة للوصول للإنجازات الفكرية تسهم في تقدم المجتمعات، وهنا نجد ان الإصلاح لا يبدأ بجلد الأكاديمي ولكن يبدا من خلال وضع اللبنات الأساسية لإنشاء منظومة تحترم العلم قبل العلماء.

ختاما، غالبا ما ينسى الخريجون تفاصيل محاضرة ألقيت قبل عدة سنوات، لكنهم لن ينسوا ذلك الأستاذ الذي ساهم في تغيير نظرتهم للحياة، أو قام بمنحهم الثقة في وقت اهتزت فيه، أو ارشدهم للوصول الى النجاح المأمول، وبهذا دور الأستاذ الجامعي لا يختزل في المنهاج، ولا يُقاس بعدد المحاضرات، بل بقدرته على صناعة إنسان واعٍ، ومسؤول، وقادر على التفكير، كما ان الاستثمار الحقيقي في التعليم العالي ليس في تعدد المباني الشاهقة، ولكن في تمكين الأستاذ الجامعي من ممارسة دوره الأصيل؛ كقائد فكري ومربي أجيال، لأن بناء الإنسان هو الاستراتيجية الوحيدة التي لا تخسر أبداً في سوق المستقبل، وبذلك نصل لنتيجة ان الأستاذ الجامعي يبقى عنصرًا لا يمكن الاستغناء عنه قطعاً.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }