الرقابة البرلمانية بين الواقع والمأمول

تاريخ النشر : الاثنين 11:44 1-6-2026
أ. د. ليث كمال نصراوين

رغم مرور أسابيع على فض الدورة العادية الثانية لمجلس الأمة، لا تزال الأوساط السياسية والشعبية تجري عملية مراجعة وتقييم للأداء النيابي خلال الدورة الماضية، حيث يكاد يكون هناك إجماع على تراجع الدور الرقابي للمجلس الحالي لصالح الوظيفة التشريعية، وذلك على غرار ما شهدته مجالس نيابية سابقة. وهذا الواقع لا يساعد المجلس المنتخب على استعادة ثقة المواطنين بالمؤسسة البرلمانية أو بالديمقراطية التمثيلية، خاصة أن نجاح النظام البرلماني يقاس، إلى حد كبير، بقدرة البرلمان على مساءلة الحكومة ومتابعة أدائها ومراقبة سياساتها العامة.

إن موقف المشرع الدستوري من الرقابة البرلمانية يكشف عن اهتمام واضح بهذا الجانب، إذ نصت المادة الأولى من الدستور على أن نظام الحكم في المملكة "نيابي ملكي وراثي". ومن المعلوم في الفقه الدستوري أن المسؤولية السياسية لرئيس الوزراء والوزراء أمام مجلس النواب تعد من أبرز مقومات النظام النيابي وأهم خصائصه. وانسجاما مع هذا التوجه، توسع الدستور الأردني في تنظيم الأدوات الرقابية المتاحة للمجلس، من أسئلة واستجوابات وطلبات طرح الثقة، وهي أدوات كافية من حيث المبدأ لتمكينه من ممارسة رقابة فاعلة ومؤثرة على أعمال السلطة التنفيذية.

ومع ذلك، بقيت الرقابة البرلمانية في كثير من الأحيان ضمن الإطار الشكلي أو الإعلامي، دون أن تتحول بصورة كاملة إلى رقابة مؤسسية قادرة على التأثير الحقيقي في السياسات العامة أو مساءلة المقصرين. ويعود ذلك إلى جملة من الأسباب، في مقدمتها استمرار تغليب البُعد الخدمي على الدور الرقابي للنائب، إذ لا يزال جانب مهم من العمل النيابي في الأردن مرتبطا بمتابعة القضايا الفردية والخدمات المحلية المرتبطة بالدوائر الانتخابية، كالتعيينات والمطالب التنموية والخدمات الإدارية. وهذه الإشكالية لا يتحمل النائب مسؤوليتها وحده، بل ترتبط أيضا بطبيعة الثقافة الانتخابية السائدة لدى شريحة واسعة من الناخبين الذين يقيمون أداء ممثليهم على أساس قدرتهم على تقديم الخدمات أكثر من تقييمهم لأدوارهم الرقابية والتشريعية.

ويرتبط بذلك أيضا طابع العلاقة المتداخلة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، والتي تفرز في بعض الأحيان قدرا من تقاطع المصالح، لا سيما في المسائل الخدمية المرتبطة بالدوائر الانتخابية. فالنائب يدرك أن جزءا من حضوره السياسي يرتبط بقدرته على متابعة احتياجات ناخبيه ونقل مطالبهم إلى الجهات الحكومية المختصة، الأمر الذي قد يدفع بعض النواب إلى إعطاء أولوية للعلاقة التعاونية مع الحكومة على حساب استخدام أدوات المساءلة السياسية. ورغم أهمية هذا التعاون في خدمة المواطنين والاستجابة لمتطلباتهم، إلا أن الإفراط فيه قد ينعكس سلبا على الدور الرقابي للمجلس عندما يصبح الحفاظ على قنوات التواصل مع الحكومة أولوية تتقدم على مقتضيات الرقابة.

ومن الأسباب التي لا تقل أهمية عن ذلك، عدم الإلمام الكافي لدى بعض أعضاء مجلس النواب بطبيعة الرقابة السياسية وحدود أدواتها الدستورية. فالأصل في السؤال النيابي والاستجواب والمذكرات النيابية أن تكون وسائل لمساءلة الحكومة عن سياساتها العامة وأوجه القصور في إدارة الشأن العام. إلا أن الممارسة العملية في الدورة السابقة أظهرت ابتعادا عن هذا المفهوم، حيث تناولت بعض المذكرات النيابية موضوعات لا تندرج ضمن إطار الرقابة السياسية بالمعنى الدستوري، كالمطالبة بتمديد العطل الرسمية أو تعيين أشخاص في وظائف عامة، وهي أمور تندرج ضمن الولاية العامة لمجلس الوزراء بموجب الدستور.

وإلى جانب ذلك، لا يمكن إغفال أثر ضعف العمل الحزبي والكتل البرلمانية على فعالية الرقابة البرلمانية، التي تحتاج بطبيعتها إلى تجمعات نيابية منظمة تمتلك برامج واضحة ورؤى متماسكة. فالعمل الجماعي المؤسسي هو الأقدر على إنتاج رقابة مستقرة ومستدامة تتجاوز المبادرات الفردية. ورغم ارتفاع مستوى التمثيل الحزبي في المجلس الحالي مقارنة بالمجالس السابقة، إلا أن التجربة الحزبية ما تزال في طور البناء والتطور، فيما تعاني بعض الكتل من محدودية الانسجام الداخلي أو غياب الأولويات الرقابية الواضحة.

كما أن مسؤولية تطوير الرقابة البرلمانية وتعزيز فاعليتها لا تقع على عاتق النواب وحدهم، وإنما تتطلب جهدا مؤسسيا تشارك فيه مختلف مكونات المجلس. فالنواب مسؤولون عن حسن توظيف الأدوات الرقابية، والكتل البرلمانية معنية بتعزيز التنسيق والعمل الجماعي، فيما يؤدي المكتب الدائم للمجلس دورا تنظيميا محوريا في إدارة أعمال المجلس وترتيب أولوياته، بما يسهم في تهيئة البيئة المؤسسية اللازمة لممارسة الرقابة البرلمانية بصورة أكثر فاعلية.

وخلاصة القول، فإن مجلس النواب الحالي يواجه اختبارا سياسيا يختلف عن المجالس السابقة، باعتباره أول مجلس يأتي في إطار مشروع التحديث السياسي الذي يستهدف تعزيز العمل البرلماني. ولذلك، فإن التوقعات السياسية والشعبية منه أصبحت أكبر من أي وقت مضى، ولم يعد نجاحه يقاس بعدد القوانين التي يقرها فحسب، وإنما بقدرته على ترسيخ ثقافة رقابية أكثر فاعلية تعزز مكانة المؤسسة البرلمانية وتؤسس لمرحلة يكون فيها البرلمان شريكا حقيقيا في الرقابة والمساءلة وصنع السياسات العامة، لا مجرد مؤسسة تشريعية تقليدية.

* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية

[email protected]

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }