في عالمٍ تتسارع فيه التحولات الكبرى، لم يعد مفهوم القوة حبيس الأدوات التقليدية، بل أخذ يتشكل عبر منظومات جديدة قوامها المعرفة والابتكار ورأس المال البشري. وفي قلب هذا التحول، تبرز "القوة الناعمة" بوصفها التعبير الأرقى عن قدرة الدول على التأثير وصناعة المستقبل. ومن هنا، يقدّم الشباب الأردني نموذجًا حيًا لهذه القوة، بما يمتلكه من طاقات، وما يحمله من طموحات، وما يحظى به من رعاية واهتمام على أعلى المستويات.
الأردن، بتركيبته السكانية الفتية، يقف أمام فرصة تاريخية؛ إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 63% من السكان هم دون سن الثلاثين، فيما تشكّل الفئة الشبابية (12–30 عامًا) حوالي 36% من إجمالي السكان. كما تمثّل الفئة العمرية (15–24 عامًا) ما يقارب 20% من المجتمع، وهي نسبة كفيلة —إذا ما أُحسن استثمارها—بإحداث نقلة نوعية في الاقتصاد الوطني.
وقد عبّر جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين عن إيمانه العميق بدور الشباب بقوله: "شبابنا هم الثروة الحقيقية لهذا الوطن"، في تأكيد واضح على أن الاستثمار في الإنسان هو جوهر التنمية. ويأتي هذا التوجه متكاملًا مع رؤية سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، الذي يؤكد أن: " الاستثمار في الشباب هو الاستثمار الأنجح لمستقبل الأردن".
وتعكس المؤشرات الميدانية حيوية هذا القطاع؛ إذ يدخل إلى سوق العمل الأردني سنويًا ما يقارب 100 ألف شاب وشابة، في حين تشير الدراسات إلى أن نحو 48% من الشباب يطمحون إلى تأسيس مشاريعهم الخاصة، ما يعكس تحولًا متزايدًا نحو ريادة الأعمال. كما أن أكثر من 95% من الشباب يستخدمون الإنترنت، وهو ما يدل على جاهزية رقمية عالية تؤهلهم للانخراط في الاقتصاد الرقمي.
في المقابل، لا تزال التحديات قائمة؛ إذ لاتزال معدلات البطالة بين الشباب مرتفعة نسبياً، وهو ما يكشف فجوة واضحة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق. هذه الفجوة تجعل من التوجه نحو علوم المستقبل —كالذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وتحليل البيانات— خيارًا استراتيجيًا لا بديل عنه، لخلق فرص عمل نوعية ومستدامة.
ومع توقعات استمرار النمو السكاني في الفئات الشابة، فإن الأردن يقف أمام فرصة الاستفادة مما يُعرف بـ"العائد الديموغرافي"، حيث ترتفع نسبة السكان في سن العمل مقارنة بغيرهم، وهو ما يمكن أن يسهم في رفع معدلات النمو الاقتصادي إذا ما تم توظيفه بكفاءة.
غير أن تحويل هذه الأرقام إلى إنجازات يتطلب أكثر من الإمكانات؛ فهو يحتاج إلى تخطيط استراتيجي قائم على البيانات، يربط بين التعليم وسوق العمل، ويحدد القطاعات الأكثر نموًا، ويوجه الشباب نحوها بوضوح. كما يتطلب إنشاء حاضنات تمكين اقتصادية منافسة، قادرة على استيعاب عشرات الآلاف من الداخلين إلى سوق العمل سنويًا، وتحويل طموحاتهم إلى مشاريع إنتاجية.
هذه الحاضنات يجب أن تقوم على أسس حديثة، تشمل التمويل المرن، والإرشاد، وربط المشاريع بالأسواق، بما يواكب المنافسة الإقليمية والدولية في مجال الابتكار. كما أن بناء شراكات بين القطاعين العام والخاص، وإشراك الجامعات ومراكز البحث العلمي، من شأنه أن يعزز من فرص النجاح، ويحوّل الأفكار إلى منتجات، والمعرفة إلى قيمة اقتصادية.
إن قصص النجاح التي يحققها الشباب الأردني اليوم في مجالات التكنولوجيا والريادة والعمل الحر، ليست مجرد حالات فردية، بل مؤشرات على تحوّل عميق في بنية الاقتصاد، يعكس قدرة هذا الجيل على التكيّف وصناعة الفرص.
في المحصلة، تكشف الأرقام أن الأردن يمتلك ثروة حقيقية من الطاقات الشابة؛ فـثلثا المجتمع من الشباب، ونحو نصفهم يفكر بريادة الأعمال، وغالبيتهم يمتلكون أدوات العصر الرقمية. والتحدي الحقيقي لا يكمن في العدد، بل في حسن التوظيف والاستثمار.
ومع استمرار الرعاية الملكية، وقيادة سمو ولي العهد لملف الشباب والتكنولوجيا، وتعزيز التخطيط وبناء الحاضنات الاقتصادية، يتحول الشباب الأردني إلى قوة ناعمة حقيقية… لا تواكب المستقبل فحسب، بل تصنعه.