ورغم الضغوط الكبيرة الناجمة عن الاعتداءات الإيرانية على عدد من الدول العربية، حافظ الأردن على نهج متزن، قاده جلالة الملك عبدالله الثاني، من خلال تحرّك دبلوماسي نشط شمل زيارات إلى عواصم الخليج العربي، وسلسلة مكثفة من الاتصالات مع مختلف الأطراف، بهدف احتواء التصعيد ومنع اتساع رقعة الحرب.
وقد انطلقت هذه الجهود ضمن مسارين متوازيين: أولهما السعي إلى وقف الحرب والحفاظ على السلم الدولي، في ظل إدراك عميق لتداعياتها الخطيرة على الاقتصاد العالمي، خاصة في مجالي الطاقة وسلاسل التوريد. أما المسار الثاني، فتمثّل في تعزيز التشاور العربي والعمل على بناء موقف موحّد في مواجهة التهديدات المتصاعدة، سواء من الجبهة الشرقية أو من السياسات الإسرائيلية المتطرفة.
غير أن اللافت في هذا السياق هو تواضع مستوى التنسيق العربي مقارنة بحجم التحديات، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول قدرة النظام العربي على الاستجابة الجماعية للأزمات. فالمواقف الفردية، مهما بلغت قوتها، تبقى محدودة الأثر ما لم تندرج ضمن رؤية عربية مشتركة.
لقد أكدت هذه الحرب مجدداً أن المنطقة العربية ما تزال ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح الدولية ومشاريع النفوذ، سواء بدوافع أيديولوجية أو اقتصادية. ومن هنا، فإن الحاجة باتت ملحّة لإعادة ترتيب البيت العربي، وتجاوز الخلافات، وتعزيز التكامل القائم على المصالح المشتركة.
كما تبرز أهمية الانفتاح الاستراتيجي على قوى دولية فاعلة مثل الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي، بما يسهم في تحقيق توازن في العلاقات الدولية، ويعزّز من قدرة الدول العربية على حماية مصالحها.
لقد كان الأردن، كما في محطات سابقة، صوت الحكمة والدعوة إلى وحدة الصف، لكن هذه الدعوة لن تؤتي ثمارها ما لم تتحول إلى مشروع عربي حقيقي، قوامه التنسيق والتكامل، وإرادة سياسية تتجاوز الحسابات الضيقة نحو مستقبل أكثر استقراراً وأمناً للمنطقة.