تختلط المشاعر الإنسانية حول العالم بالأمنية الخاصة بالسلام والطمأنينة والعيش بكرامة، فلا يوجد ما يمنع من ذلك، أو هكذا ينبغي أن يشعر الجميع بالراحة، ولعل ما يحدث الآن، ومن قبل، لا يرضى ويقبل الضمير السليم أبداً مهما كانت ديانته وعرقه وجنسه، وأي صفة تسمو في العُلا بما يجري ويحدث.
الحرب الدائرة الآن، ليست سوى صراع بين دعاة السلام أنصار الظلم والقتل والدمار والإبادة؛ فلا توجد معادلة للوصف والتحليل سوى التعطش للعتمة بدل النور، والإصرار على الغطرسة دون رادع أخلاقي حصيف.
من رحاب المسجد والكنيسة تنطلق دعوات الرحمة لجميع من يؤمن بالله، بأن يعم السلام العالم؛ فرسالة الحق هي إقامة العدل الشامل على الأرض دون أسلحة الدمار. حياة واحدة هي تلك التي نعيشها، فلماذا يلونها ضعفاء الضمير بالدماء بدل الدواء والبلسم للنفس؟.
مهما طالت فترة ظلام الحرب، سوف ينبلج نور السلام الحقيقي في النفوس، ولهذا نقف بتدبر عند موقف البابا ليو الرابع عشر، وعزمه على مواصلة معارضته للحرب بعدما تعرض لهجوم مباشر من الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وكذلك الأمر لعلماء وشيوخ الإسلام الحنيف الذين يعلنون موقف الدين السمح، من محاولات الطغاة سرقة نور الحياة من البشر، والتصرف باستهتار تجاه حق الشعوب في العيش بسلام وأمان.
ولربما ينساق رجال السياسة مع المصالح العالمية، ولكن لا أحد من شعوب العالم يقتنع بأن ما يجري حول العالم، على أنه للقضاء على الإرهاب؛ بل هو منع الإنسانية من ممارسة حقها المشروع في الحياة، وتعزيز استقلالها ومنعتها، والاستفادة من مواردها وثرواتها، وتقرير مصيرها.
تجربة الأردن في التصدي للتحديات العالمية والعربية والمحلية هي محطات تأمل يمكن الرجوع إليها بفخر واعتزاز؛ فلم تُرَق قطرة دم واحدة، ولم تُنتهك الحرية، على الرغم من المراحل المفصلية التي تعرض لها من القريب والبعيد على حد سواء.
احتفلنا قبل فترة وجيزة بعيد الفطر وعيد الفصح، وذلك ابتهاجاً بنور الرحمة والطاعة والعبادة والإيمان والشجاعة والصبر لمواجهة أهواء النفس، ولكن هل من يفعلون الأهوال في غزة ولبنان وسوريا والعراق، وحول كل رقعة في العالم، يعتقدون أن الظلام سوف يعمر طويلاً؟.
عندما يقصف طيار حيًّا سكنياً، ترى ماذا يكون شعوره الخفي وضميره المستتر بعد أن يشاهد دمار الأبرياء ومصرعهم على أرضهم وموطنهم، وتشردهم خارج بلادهم، لذنب ليس لهم علاقة به، سوى رغبة أعداء الإنسانية في فرض الظلام الدامس على حياة البشر.
مفهوم الرحمة ومدلولها العام هو ما يهذب النفوس المشتاقة لنور السلام، والتي ترفض رفضاً تاماً عتمة الحرب، والتي باتت تخيم على صدور البشرية دونما مبرر سوى عطش أصحاب الظلام للدماء.
مع غياب الضمير الحي لدى من يعتبرون البشر مجرد أرقام يمكن إزالتها، أو حدوداً يمكن محوها، وبلاداً يمكن احتلالها، ها هي رسائل السماء تسكن نفوس المؤمنين، وتدفع الأمل والرجاء في التصدي للظلام مهما طال واستمر وطغى.
ها هي بشائر نور السماء في المرصاد للعتمة والحروب، والتي مهما اندلعت سوف تضع أوزارها؛ فعلى مدى تاريخ البشرية، عمر الظلم قصير:
"وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ" (سورة يوسف: 21).
نسأل الله أن يشع نور السلام الروحي على العالم المثقل بجبروت وغطرسة الظلم، ونأمل أن ننعم بثمار الرحمة الإنسانية، وأن يعم الخير مكان الشر والأشرار.