ما يحدث اليوم في "ميناء العقبة" ليس مجرد تحسن في أرقام الشحن، بل لحظة تاريخية تعاد فيها صياغة موازين النقل بالمنطقة، مدفوعة بما يحدث من اضطرابات في "مضيق هرمز " وما تسببه من مخاطر على سلاسل التوريد، فهل نحسن استثمار الفرصة؟ أم ستمر مرور الكرام؟.
هذه المتغيرات دفعت "شركات كبرى" للبحث عن بدائل آمنة، ليبرز ميناء العقبة كخيار متقدم لدى العديد منها بحثا عن ممرات آمنة ومستقرة،ولهذا نجد أن خيار اعتماد ميناء العقبة كمركز للعمليات اللوجستية والشحن إلى مراحل متقدمة لدى عدد من هذه الشركات، في مؤشر واضح على تنامي الثقة الدولية بالميناء الوحيد في المملكة.
ولعل أبرز الأدلة على ذلك، تحويل شحنة تابعة لـ"مصنع ألماني"ضخم من ميناء أم قصر إلى ميناء العقبة، في "خطوة تحول"عملي في تفضيلات الشركات العالمية، كما أن هناك عددا من الشحنات التجريبية بدأت تصل عبر العقبة، تمهيدا لاعتماد أوسع خلال الفترة المقبلة.
ولا تقف المؤشرات عند هذا الحد، إذ تجري حاليا اتصالات مع عدد من "الدول الخليجية" لاعتماد ميناء العقبة كنقطة استقبال رئيسية لوارداتها، وهو ما قد يفتح آفاقا جديدة لدور الأردن بالتجارة الإقليمية.
الأهم من كل ذلك، أن بعض الشركات الأجنبية بدأت بالفعل باتخاذ قرار استراتيجي باعتماد مسار العقبة كمدخل آمن ومستقر وثابت لبضائعها، حتى في حال "انتهاء الأزمات" التي تمر بها بعض الممرات البحرية، وهذا يعكس قناعة متنامية بأن الاستقرار ليس ظرفا مؤقتا، بل ميزة تنافسية يمكن البناء عليها.
الأرقام بدورها تؤكد ان ميناء العقبة اصبح مقصدا موثوقا، إذ تشير البيانات لاستقرار سلاسل التوريد إلى المملكة، وعدم تسجيل أي نقص بالمستوردات بالفترة الماضية، وهو عامل حاسم في بناء الثقة، كما ارتفع حجم الواردات في الربع الأول من العام الحالي بنسبة 20.5% مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2025، فيما سجل ترانزيت الحاويات نموا بلغ 137% خلال الأشهر الثلاثة الأولى، ما يؤكد ان دور ميناء العقبة تحول من مجرد نقطة عبور لمركز عمليات متكامل.
خلاصة القول، اغتنام هذه "الفرصة التاريخية" يتطلب عملا سريعا ومكثفا، عبر "تطوير منظومة" الترانزيت، وإزالة العقبات البيروقراطية، وتعزيز البنية التحتية وكفاءة الخدمات، فالعقبة اليوم أمام لحظة تحول استراتيجي قد تضعها في مصاف المراكز اللوجستية الإقليمية، والسؤال هنا لم يعد عن قدرتها، بل عن مدى قدرتنا على استثمار هذه اللحظة قبل أن تسبقنا موانئ أخرى، ونندم على اضاعة هذه الفرصة التاريخية.