في أوقات الأزمات، لا تُقاس الخسائر بعدد الرحلات الملغاة أو نسب الإشغال المتراجعة، بل بحجم الثقة التي تتآكل بصمت، وبمدى قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمة. وما تشهده المنطقة اليوم في قطاع السياحة ليس مجرد تراجع في الأرقام، بل كشف واضح لهشاشة نموذج اقتصادي يعتمد على التدفقات الخارجية دون أن يمتلك أدواته السيادية في إدارتها.
فالسياحة، كما أثبتت التجربة، ليست قطاعاً منفصلاً، بل حلقة في منظومة أوسع تبدأ من الطيران، وتمر بالنقل، وتصل إلى الاستثمار والتجارة والخدمات، وعندما تضطرب هذه الحلقة في أحد أطرافها… تتأثر بالكامل.
الخطأ الذي نقع فيه منذ سنوات هو التعامل مع السياحة كمنتج نهائي: فندق، مطعم، موقع أثري، بينما الحقيقة أن السياحة تبدأ من قرار الوصول، وهذا القرار تحدده أولاً الطائرات. فعندما تتوقف الطائرات، لا يتوقف السائح فقط، بل تتوقف معه التدفقات المالية، وسلاسل الإنفاق، والنشاط الاقتصادي المرتبط به. وهنا يبرز السؤال الأهم: هل نملك أدوات الوصول… أم نعتمد على الآخرين؟ وهنا لا بد من الانتقال من التشخيص إلى طرح الحلول.
إن إنشاء ناقل جوي وطني منخفض التكاليف لا يجب أن يُفهم كمشروع استثماري تقليدي، بل كأداة سيادية لإدارة الحركة السياحية، ناقل يربط الوجهات المستهدفة مباشرة، يخدم المواسم لا السوق فقط، ويُدار بعقلية اقتصادية مرتبطة بالسياحة، لا فقط بربحية التذاكر، لأن السيطرة على الوصول تعني السيطرة على التدفق، والسيطرة على التدفق تعني التحكم بجزء كبير من الاقتصاد السياحي.
وفي المقابل، لا يقل النقل البحري أهمية، بل ربما يكون أكثر تأثيراً على المدى الطويل. فالعقبة ليست مجرد منظومة موانئ، بل فرصة لتكون عقدة اقتصادية إقليمية، لكن هذه الفرصة لا تُفعل إلا عبر ناقل بحري وطني أو منظومة شحن ذكية تعيد تعريف دور الأردن من نقطة عبور إلى مركز توزيع وإعادة تصدير، لأن الاقتصاد الحديث لا يقوم فقط على ما يدخل، بل على ما يُعاد توجيهه وتخزينه وتغليفه وتصديره من جديد.
المشكلة ليست في غياب الإمكانات، بل في غياب التكامل. سياحة تعمل وحدها، نقل يعمل وحده، استثمار يعمل وحده… والنتيجة جهود متفرقة وأثر محدود. بينما المرحلة القادمة تتطلب نموذجاً مختلفاً: منظومة واحدة بعقل اقتصادي واحد، ناقل جوي يخدم السياحة، ناقل بحري يخدم التجارة وسلاسل التوريد، واستثمار يُبنى حولهما، وخدمات تُكمل هذه الدائرة.
قد يبدو الحديث عن هذه الحلول كبيراً، لكن الحقيقة أبسط من ذلك: الاقتصاد لا يُنقذ بمشروع واحد، بل بمنظومة تُدار بقرار، والناقل الجوي والبحري ليسا غاية بحد ذاتهما، بل أدوات في نموذج اقتصادي جديد ينتقل من رد الفعل إلى صناعة الحركة.
ما يحدث اليوم في السياحة العربية ليس مجرد تراجع، بل اختبار حقيقي لمدى نضج النموذج الاقتصادي، فإما أن نبقى معتمدين على الآخرين في حركة الوصول والتدفق، أو نمتلك أدواتنا ونبني منظومتنا، لأن الفرق بين من يتأثر بالأزمة ومن يديرها لصالحه، ليس في الموقع… بل في القرار.
* عضو غرفة تجارة العقبة