يعد الموظف العام الواجهة الحقيقة التي تعكس صورة الدولة وهيبتها أمام متلقي الخدمة حيث أنه ومن موقعه الوظيفي يمتلك سلطة تنظيمية وخدمية تمكنه من التأثير في تجربة المراجع إما بتعزيز ثقته بالمرفق العام أو بإضعافها وانطلاقاً من أهمية الوظيفة العامة وحساسيتها، فإن كفاءة المرفق العام لم تعُد تقاس فقط بسرعة الإجراءات والأنظمة المطبقة، وإنما بكفاءة العنصر البشري القائم عليه المتمتع بالسلامة النفسية أولاً وكفاءته العلمية والمهنية ثانياً.
إن الباحث في أوراق استكمال التعيين في الوظائف الحكومية، يجد أن من أهم هذه الأوراق الحصول على شهادة من اللجنة الطبية المختصة تفيد بلياقته الجسدية للخدمة الحكومية، و يشمل هذا الفحص بعض الفحوصات العضوية للتأكد من سلامة الجسد وقدرة المرشح للتعيين على ممارسة العمل، وأمام هذه المعطيات يبرز تساؤل جوهري هل يكفي هذا الفحص لإثبات قدرة الموظف على ممارسة الوظيفة العامة بكفاءة؟
ويكمن القصور في هذه الفحوصات الطبية أنها تصب جل اهتمامها على السلامة الجسدية للموظف، تاركة خلفها المحرك الأساسي لأدائه، وهي صحته النفسية واتزان ادائه وسلوكه دون أي فحص أو تقييم، وكأن الوظيفة مجرد قالب جسدي سليم بمنأى عن تأثير الحالة النفسية أو العوائق السلوكية التي قد تحول عن تحقيق الغاية من الوظيفة العامة.
إنّ اعتلال الاتزان النفسي أو السلوكي لدى الموظف لا يعد مجرد عائق إداري عابر، بل يصبح لغماً يهدد استقرار بيئة العمل بأكملها. فآثار هذا الإعتلال لا ينحصر داخل المكاتب فحسب، بل يمتد لينعكس سلباً على ثقة المواطن -متلقي الخدمة-، إذ ان تجربة واحدة غير موفقة مع موظفٍ مأزوم كفيلةٌ بزعزعة صورة المرافق العامة وخدماتها، ولا تقف التبعات عند هذا الحد بل تمتد لتطال طاقات زملائه بالعمل، وتضعهم تحت ضغوطاتٍ إضافية تحد من قدرتهم على الإنتاجية، الأمر الذي يفضي إلى حالة من التردي المهني ليتحول المرفق العام من منارة للخدمة العامة، إلى بيئة مشحونة تقتل الابداع وتعزز التوتر.
لذا لم يعد تطوير معايير الفحص الطبي ليمتد إلى الجوانب النفسية والسلوكية مجرد تحسين هامشي، بل هو ركيزة أساسية لضمان جودة الخدمة العامة، فالمرافق العامة لا تستقيمُ بسلامة الأبدان فحسب، بل بمدى جاهزية الموظف جسدياً ونفسياً وعقلياً لتقديم الخدمة العامة، فالمرافق العامة لا تُبنى فقط بمن يمتلكون أجساداً سليمة قادرة على العمل، بل بمن يمتلكون عقولاً متزنة ونفوساً سوية تدرك أن مقاعدها الوظيفية هي أمانة ومسؤولية لخدمة الناس وتحقيق مصالحهم.