الرجل الذي بنى بيتك ولا تعرف اسمه
كل صباح — قبل أن يبدأ يومي — أسمع الصوت.
صوت حديد يلامس حجراً. ضربة — ثم أخرى. إيقاع ثابت لا يتغير.
وحين أنظر من نافذتي أرى الرجل خلف البيت. واقفاً بين أكوام الرمل والإسمنت في البرد القارس. كأنه يعرف أن اليوم لا يبدأ إلا به.
لا أعرف اسمه. ولم أتحدث معه يوماً.
لكنني أعرفه — من تكرار المشهد.
كل يوم — نفس المكان. نفس الحركة. نفس الإيقاع الهادئ الذي لا يستعجل ولا يتوقف. يرفع حجراً ويضعه. يمد الإسمنت ويسوّي. يتراجع خطوة وينظر — ثم يكمل.
لا تذمر. لا ملل. لا انتظار لمن يرى.
يعمل فقط.
منذ فجر الحضارة — والإنسان يبني.
بنى البترا و الأهرامات بيديه. وشيّد الحضارات حجراً فوق حجر. وأقام كل ما نراه اليوم من مدن وجسور وبيوت — لا بالكلام ولا بالأحلام — بل بالعمل الصادق المتواصل الذي لا يتوقف أمام برد ولا تعب.
وتوصلت أعمق العقول وأرهف الأرواح عبر التاريخ كله إلى حقيقة واحدة لا تتغير:
الإنسان الحقيقي لا يُعرف بما يقوله — بل بما يفعله حين لا يراه أحد.
هذا الرجل — في برد الفجر — يجتاز هذا الاختبار كل يوم.
نحن نرى العمارة حين تكتمل. ننظر إليها ونقول: ما أجملها.
لكننا لا نرى اليد التي وضعت أول حجر. ولا اليد التي تعبت في كل حجر بعدها.
هذا الرجل سيختفي حين ينتهي البناء. وسيبقى البيت.
ناس ستسكن فيه. أطفال سيلعبون. عائلات ستبني حياتها داخل هذه الجدران.
ولن يعرف أحد من الذي رفعها.
لكن الحقيقة — التي لا تُكتب على الجدران — أن كل حجر هنا يحمل تعب إنسان. وصبر إنسان. وصمت إنسان لم ينتظر شكراً من أحد.
كل صباح — أشرب قهوتي الساخنة وأنا أسمع صوته وأراه من وراء زجاج نافذتي.
وأشعر بشيء يشبه الخجل.
وشيء يشبه الامتنان.
لرجل لا يعرف أنني أراه. ولا يحتاج أن يعرف.
لأنه لا يعمل ليُرى.
يعمل لأن هذا من هو.
وهو يُعلّمني كل صباح — من وراء البرد والضباب — درساً واحداً بلا كلام:
الإنسان الحقيقي لا يبني الجدران فقط — بل يبني نفسه في كل لبنة يضعها.
أنا لا أكتب عنكم. أنا أكتب منكم.
"ما زلت أبدأ كل يوم كما لو أنه أول يوم لي"
— من وراء نافذة تطل على بناء في عمّان
حيث اليدان أصدق من أي كلام.