تأتي في كل عام لحظةٌ يتبدّل فيها الصمتُ إلى ترنيم، ويعانق فيها الحزنُ النعمة، ويتحوّل فيها القبر إلى بوابة لبداية جديدة. تلك اللحظة هي الفصح.
لأربعين يومًا، سرنا في درب الصلاة والصوم والصدقة ذلك الصوم الخفيّ في أعماق النفس. وها قد آن الأوان لنرفع أبصارنا نحو القبر الفارغ والقيامة.
الفصح ليس مجرد عيد، بل هو تنفّس الروح، وقيام القلب، وهمس العالم بأن الموت ليس نهاية، وأن الظلمة ليست الحقيقة. إنه عيد الأعياد، موسم المواسم المقدّسة في سيمفونية الزمن الطقسي، حيث ينحني الحزن أمام الفرح، ويخفت الزمن أمام الأبد.
تعني كلمة فصح العبور، وهي تشير إلى عبور موسى مع المؤمنين من العبودية إلى الحرية. لكنها مع المسيح أخذت معناها الأعمق وهو عبور من ظلّ الموت إلى فجر القيامة.
القديس يوحنا الذهبي الفم في عظته الخالدة، يدعو الجميع إلى الفرح والمشاركة: "اجذلوا معاً، المائدة حافلة، فتنعموا كلكم، العجل سمين، فلا يخرج أحد جائعاً. تمتعوا كلكم بوليمة الإيمان."
يعلمنا الفصح أن الكلمة الأخيرة ليست للموت، بل للحياة. ليست لليأس، بل للرجاء. ليست للخراب والعنف، بل للمحبة التي تقوم من جديد. ورغم أنّ العالم يئنّ تحت وطأة الحروب والانقسامات والاحزان، يهمس الفصح لنا أن النور لا يُطفأ. فشعلة واحدة تكفي لتبديد الظلمة، ولمسة رحمة قادرة أن تميل كفّة العالم نحو الخلاص.
حتى في تأخّر الرجاء، نؤمن بإيمانٍ عميق وأصيل أن الله يسير معنا، حتى في أحلك الليالي. نثق بأن الله يعتني بنا، ويأتي لنجدتنا، حتى في الهزيع الأخير من الليل، ليشرق علينا فجر جديد مملوء من بركاته ونعمه.
وفي هذا العيد المجيد المضيء، أرفع صلاتي مع كل المؤمنين إلى الله العليّ القدير، من أجل المملكة الأردنية الهاشمية الغالية، أن يفيض الله عليها نعمه، ويحفظها في أمنٍ وسلام وازدهار، تحت ظل القيادة الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين المعظم، حفظه الله، وإلى صاحب السمو الملكي الأمير الحسين بن عبد الله الثاني، ولي العهد، والأسرة الهاشمية الكريمة.
وفي الختام نتوجه بالشكر إلى الأجهزة الأمنية والجيش والمخابرات على تعبهم خلال فترة الأعياد.
فليحلّ فرح القيامة في بيوتكم، وليشرق سلام المسيح من جديد في قلوبكم.