في العصر الرقمي، يتجاوز الموقع السياحي كونه مكانا جغرافيا أو معلما أثريا؛ ليصبح في المقام الأول "صورة ذهنية" متكاملة تتشكل في وعي السائح عبر الفضاء الرقمي قبل أن تبدأ رحلته الفعلية.
اليوم، لا يكتفي الناس برؤية المكان على أرض الواقع، بل يعتمدون أولا على ما يظهر لهم في محركات البحث ووسائل التواصل الاجتماعي. وهنا تتدخل ما يمكن تسميته بـفلاتر الإدراك الرقمي؛ أي الخوارزميات التي تتحكم بما نراه وما لا نراه.
بمعنى أبسط: العالم لا يرى الأردن كما هو بالكامل، بل كما تسمح له المنصات الرقمية أن يراه.
هذا التحول غيّر قواعد السياحة عالميا. لم تعد قيمة أي وجهة تعتمد فقط على تاريخها أو جمالها، بل على قدرتها على الظهور والتأثير في الفضاء الرقمي.
تشير بيانات حديثة إلى أن غالبية المسافرين يعتمدون على المنصات الرقمية ووسائل التواصل في تشكيل انطباعاتهم الأولية عن الوجهات، فيما تتم معظم عمليات الحجز عبر الإنترنت، ضمن رحلة تخطيط تمتد عادة لعدة أسابيع، وغالبًا خلال فترة تقارب 45 يومًا قبل اتخاذ القرار.
في هذا السياق، يمتلك الأردن فرصة استراتيجية مهمة، مع سعيه لتعزيز قطاع السياحة كأحد محركات النمو الاقتصادي.
لكن التحدي الحقيقي ليس في غياب الإرث، بل في طريقة تقديمه للعالم.
هنا تظهر أهمية إدارة التصورات السياحية: كيف يُبنى الانطباع عن الأردن في أذهان الجمهور العالمي عبر الفضاء الرقمي.
وتبرز هنا مواقع ذات أهمية عالمية مثل كنيسة رحاب والمغطس، والتي لا تحتاج فقط إلى حماية مادية، بل إلى تموضع رقمي دقيق يضمن تقديمها بشكل صحيح ومؤثر عالميا.
إن إدارة التصورات ليست ترفا إعلاميا، بل أصبحت جزءا من حماية الهوية في العصر الرقمي.
(يتبع في الجزء الثاني: كيف تتحول الصورة الذهنية إلى قوة ناعمة تحدد مكانة الأردن عالميا؟).