يخطو الأردن اليوم خطوة استراتيجية رائدة في مسار إصلاح القطاع الصحي عبر ما تقوم به وزارة الصحة والجهات المعنية من تطوير للاستراتيجيات والبرامج الوطنية التي من شأنها تعزيز الجودة وتوسيع نطاق التغطية والوصول وتدشين المظلات التمويلية لتخفيف عبء تكاليف الرعاية الصحية المتزايدة عالمياً على جيب المريض.
رعت موخراً سمو الأميرة غيداء طلال رئيسة هيئة أمناء مؤسسة ومركز الحسين للسرطان، إطلاق "الاستراتيجية الوطنية للسيطرة على السرطان 2026-2030"، ومن منظور اقتصاديات الرعاية الصحية والسياسات الصحية، لا ينبغي النظر إلى هذه الاستراتيجية كبروتوكول أو استجابة طبية فحسب، بل هي وثيقة تأمين اقتصادية مبتكرة تهدف لمواجهة أحد أكثر التحديات المالية تعقيداً في العصر الحديث على المستوى الصحي.
في اقتصاديات الصحة، يمثل السرطان "العبء المالي المتصاعد" (Escalating Fiscal Burden)، تشير أحدث التقديرات إلى أن تكلفة علاج السرطان في المملكة تتراوح ما بين 250 إلى 350 مليون دينار سنويًا، والأخطر من ذلك، هو وجود فجوة تمويلية تقارب 270 مليون دينار، مع توقعات بوصول الكلفة الإجمالية إلى نصف مليار دينار بحلول عام 2030.
هذا النمو السنوي في التكاليف، والذي يتراوح بين 6% إلى 8%، مدفوع بظهور الأدوية الموجهة (Targeted Therapy) التي تشكل وحدها ما يقارب 40% إلى 45% من إجمالي فاتورة العلاج، وهنا تبرز الاستراتيجية الجديدة كأداة لإدارة كفاءة تخصيص الموارد (Allocative Efficiency)، عبر تحويل الاستثمار من "العلاج المتأخر والمكلف" إلى "الوقاية والتدخل المبكر"، وهو المسار الوحيد لكسر منحنى التكاليف المتصاعد.
وعلى المستوى الجزئي، يبرز دور برنامج "رعاية" كأداة حيوية للعدالة الاجتماعية، ففي أدبيات التمويل الصحي، يُصنف السرطان كخطر يؤدي إلى "الإنفاق الصحي الكارثي" (Catastrophic Health Expenditure).
عندما ندرك أن متوسط تكلفة العلاج الكامل للمريض الواحد تصل إلى 40,000 دينار، وقد تتجاوز 50,000 دينار في بعض الحالات، ندرك حجم المأساة التي قد تواجه المواطن غير المؤمن، وإن تكلفة السنة الأولى وحدها تقارب 20,000 دينار، وهو مبلغ يفوق القدرة المالية للغالبية العظمى من الأسر.
هنا يكمن ذكاء تصميم الاستراتيجية الوطنية في دعم برنامج "رعاية"؛ فهي لا تقدم دعماً مالياً مجرداً، بل تدعمه بـ"أدلة سريرية موحدة" لسرطانات الأطفال والبالغين.
اقتصادياً، هذا يعني تقليل التباين السريري وهدر الموارد، وضمان أن كل دينار يُنفق في برنامج "رعاية" يحقق أقصى سنوات حياة مصححة بالجودة، مما يعزز الاستدامة المالية للصندوق ويسمح بشمول أعداد أكبر من المواطنين غير المؤمنين.
ومن أهم ملامح الاستراتيجية هو انضمام الأردن للمنصة العالمية لإتاحة الأدوية، في علم الاقتصاد، يعاني سوق أدوية السرطان من "احتكار طبيعي" وارتفاع هائل في الأسعار. عبر هذه المنصة، ينتقل الأردن من وضع "متلقي السعر" إلى قوة تفاوضية مجمعة، مما يخفض تكلفة المدخلات العلاجية. هذا الانخفاض في التكلفة التشغيلية سيصب مباشرة في مصلحة برنامج "رعاية"، مما يقلل العبء عن الخزينة العامة ويحقق مفهوم "الكفاءة الإنتاجية".
لا يمكننا كخبراء في اقتصاديات الصحة رسم سياسات دقيقة في ظل غياب دراسات شاملة تغطي كافة مقدمي الخدمة. الاستراتيجية الجديدة تضع الإصبع على الجرح بالإشارة إلى ضرورة توحيد البيانات، وإن معالجة "المعلومات غير المتماثلة (Asymmetric Information) عبر سجل وطني رقمي هو حجر الزاوية لبناء نماذج اقتصادية (Economic Models) قادرة على التنبؤ بالاحتياجات المستقبلية بدقة، بعيداً عن التقديرات المتفاوتة.
إن استراتيجية السرطان 2026-2030 هي استثمار في "رأس المال البشري" الأردني، ومن خلال تعزيز برامج الحماية مثل "رعاية" ودعمها بأطر مؤسسية وعلمية، نحن لا نحمي المرضى طبياً فحسب، بل نحمي اقتصادنا الوطني من تبعات المرض طويلة الأمد، إنها دعوة للعمل بروح الفريق لضمان أن تظل الصحة حقاً متاحاً للجميع، دون أن يكون سبباً في العوز أو الفقر.