في الحروب الكبرى، لا يكون المنتصر دائمًا هو الطرف الذي يملك النار الأكثر، بل الطرف الذي ينجح في منع خصمه من فرض شروطه. ومن هنا، فإن أخطر سيناريو في الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران لا يتمثل فقط في اتساعها، بل في توقفها قبل أن تحقق واشنطن وتل أبيب بنك أهدافهما كاملًا.
فإذا توقفت الحرب بقرار أميركي من دون حسم واضح، فإن إيران ستكون، سياسيًا واستراتيجيًا، الطرف الأقرب إلى إعلان النصر. ليس لأنها خرجت بلا خسائر، ولا لأنها لم تُستنزف، بل لأنها تكون قد نجحت في الامتحان الأصعب: البقاء متماسكة رغم الضربات، والحفاظ على بنية الدولة رغم اغتيال قادتها من الصف الأول، ومنع خصومها من كسرها أو إخضاعها.
في هذه الحالة، لن يُقرأ المشهد على أنه تعادل، بل على أنه فشل في تحقيق الهدف. وعندما تعجز القوة الأميركية الإسرائيلية عن تحويل تفوقها العسكري إلى نتيجة سياسية نهائية، فإن صورة الردع نفسها تتصدع، وتتحول الحرب من مشروع للحسم إلى مجرد عملية استنزاف مكلفة. أما إيران، فستقدّم نفسها بوصفها الدولة التي تعرضت لأعنف اختبار وبقيت واقفة، وهذه وحدها في منطق الإقليم مادة كافية لبناء نفوذ جديد وسردية انتصار طويلة الأثر.
لكن الخطر الأكبر لا يقف عند حدود الربح الإيراني أو التعثر الأميركي الإسرائيلي، بل يتجاوز ذلك إلى الخسارة العربية. ففي جميع الأحوال، سواء مضى المشروع الأميركي الإسرائيلي في مساره، أم نجح المشروع الإيراني في فرض وقائعه على الأرض، فإن الخاسر الأكبر سيبقى الدول العربية إذا ظلت في موقع المتفرج. فالمنطقة لم تعد تحتمل مزيدًا من الانزلاق في الوحل السياسي والأمني، ولم يعد مقبولًا أن تبقى الساحة العربية مفتوحة لمشروعات الآخرين وصراعاتهم وحساباتهم.
المطلوب عربيًا لم يعد بيانًا جديدًا ولا خطابًا إضافيًا، بل موقف واضح، وفعل مؤثر، وحضور حقيقي على الأرض. فالإقليم يُعاد تشكيله بالنار، ومن لا يملك مشروعه سيجد نفسه جزءًا من مشروع غيره. وحين يغيب الفعل العربي، تصبح العواصم العربية ساحات دفع للفواتير لا شريكة في صناعة القرار.
الخلاصة أن الخطر ليس في انتصار هذا الطرف أو ذاك فقط، بل في أن يبقى العرب الخاسر الدائم في كل الاحتمالات. لذلك، فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران من جهة أخرى، بل بين حضور عربي يصنع التوازن، وغياب عربي يترك المنطقة تغرق أكثر في الفوضى.