الذكاء الاصطناعي في التعليم: لماذا يجب أن يبدأ من المدرسة؟

تاريخ النشر : الخميس 04:26 26-3-2026
راية عادل خريس

أطفالنا يستخدمون الذكاء الاصطناعي بالفعل، سواء اعترفنا بذلك أم لا. بعضهم يلجأ إليه في البحث، وبعضهم في تلخيص المعلومات، وآخرون في كتابة الواجبات أو توليد الأفكار. ولذلك، لم يعد السؤال الحقيقي: كيف نمنع الذكاء الاصطناعي من الوصول إلى الطلبة؟ بل كيف نعلّم الطلبة استخدامه قبل أن يسبقهم العالم، وقبل أن تتحول الفجوة بين المدرسة والحياة إلى فجوة أكبر في التعلم والمهارات.هذا ليس طرحاً دعائياً للتكنولوجيا، بل استجابة تربوية لتحول عالمي متسارع. فاليونسكو تؤكد أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يسهم في تحسين التعلم وتطوير التعليم، لكنها تؤكد أيضاً أن هذا لا يمكن أن يتم من دون سياسات واضحة، وقدرات بشرية، وضمانات أخلاقية تحافظ على مركزية الإنسان في العملية التعليمية. كما أن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تتعامل اليوم مع “محو الأمية في الذكاء الاصطناعي” بوصفه اتجاهاً أساسياً في التعليم المدرسي، إلى درجة أن تقييمات PISA 2029 ستتضمن مجالاً يتعلق بالإعلام والذكاء الاصطناعي.هنا تحديداً تكمن المشكلة. فبينما يتحرك العالم نحو تعليم الطلبة كيف يفهمون أدوات الذكاء الاصطناعي، وكيف يتحققون من مخرجاتها، وكيف يستخدمونها بشكل نقدي ومسؤول، لا تزال كثير من المدارس تتعامل معها بمنطق التجاهل أو الخوف. وهذا في تقديري أخطر من الاستخدام نفسه. لأن الطالب الذي يُمنع من فهم هذه الأدوات لن يتوقف عن استخدامها، بل سيستخدمها وحده، بلا توجيه، وبلا وعي بحدودها، وبلا قدرة على التمييز بين المعلومة الصحيحة والمحتوى المضلل أو المتحيز.المطلوب إذن ليس إدخال الذكاء الاصطناعي إلى المدرسة بوصفه “موضة تعليمية”، بل إدماجه بوصفه جزءاً من مهارات العصر. وهذا الإدماج لا يبدأ بإضافة كتاب جديد أو حصة معزولة، بل يبدأ بإطار وطني واضح تقوده وزارة التربية والتعليم بالشراكة مع المركز الوطني لتطوير المناهج والتقويم، بحيث يحدد ما الذي ينبغي أن يتعلمه الطلبة في كل مرحلة عمرية، وما المهارات التي يجب أن يكتسبها المعلم، وما الضوابط الأخلاقية والتربوية التي تحكم الاستخدام داخل المدرسة. ومثل هذا التوجه ينسجم مع ما تدعو إليه اليونسكو في إرشاداتها لصنّاع السياسات، حيث تؤكد أن إدماج الذكاء الاصطناعي في التعليم يحتاج إلى رؤية وطنية، وإجراءات قصيرة المدى، وتخطيط طويل المدى، وبناء للقدرات البشرية.وعلى مستوى المناهج، لا أرى أن البداية يجب أن تكون عبر مادة مستقلة فوراً، بل من خلال إدماج تدريجي ومدروس داخل المواد القائمة. ففي الصفوف المبكرة، يمكن التركيز على مهارات السؤال والبحث والمقارنة بين المصادر. وفي المراحل اللاحقة، يمكن تعليم الطلبة كيف يعمل الذكاء الاصطناعي بصورة مبسطة، وكيف يراجعون إجاباته، وكيف يكتشفون التحيز أو الخطأ فيها. بهذه الطريقة، لا نعلّم الطالب الاعتماد على الآلة، بل نعلّمه كيف يفكر في عصر تزداد فيه قوة الآلة.وتشير الخبرات الدولية إلى أن هذا المسار ممكن إذا بدأ بشكل واقعي وتدريجي. ففي فنلندا، نشرت وزارة التعليم والثقافة والوكالة الوطنية الفنلندية للتعليم إرشادات وطنية للذكاء الاصطناعي في التعليم، كما شددت موادها الإرشادية للمعلمين على أن يكون التفكير النقدي، ونقد المصادر، وفهم أخطاء الذكاء الاصطناعي وتحيزاته، جزءاً مركزياً من التعلم المدرسي. كما تشير الوكالة الوطنية الفنلندية للتعليم إلى أن إرشادات استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم الأساسي نُشرت في 2025 لدعم إدماجه في التدريس والتعلم. هذا نموذج مهم لأنه لا يقوم على الانبهار بالتكنولوجيا، بل على بناء فهم تربوي لها.لكن المناهج وحدها لا تكفي. فالمعلم يجب أن يكون في قلب هذا التحول، لا على هامشه. وإذا كنا نريد إدماج الذكاء الاصطناعي بصورة مسؤولة، فعلينا أن نستثمر أولاً في بناء قدرات المعلمين، ليس فقط على استخدام الأدوات، بل على توظيفها تربوياً في تحضير الدروس، وتصميم الأنشطة، وإدارة النقاش داخل الصف، وتوجيه الطلبة إلى الاستخدام الآمن والأخلاقي. اليونسكو واضحة في هذه النقطة: بناء القدرات البشرية شرط أساسي لأي إدماج ناجح للذكاء الاصطناعي في التعليم.وهذا يقودنا إلى بعد آخر لا يقل أهمية، وهو البعد المؤسسي. فالتحول الحقيقي يتطلب فرق عمل متخصصة داخل وزارة التربية والتعليم، تتعاون مع الإدارات المختلفة على دراسة تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التخطيط، وتحليل البيانات، والمتابعة، وتطوير الخدمات التعليمية، ثم ترجمة ذلك إلى أدوات عملية تنعكس على الميدان. كما أن الشراكة مع الجامعات الأردنية يجب أن تنتقل من الشكل التقليدي إلى شراكة إنتاجية، تُشرك طلبة وخبراء الذكاء الاصطناعي في بناء المحتوى، وتصميم التطبيقات التجريبية، والمشاركة في التدريب المدرسي، بحيث يصبح التعليم العام والجامعي جزءاً من مشروع وطني واحد.ولا ينبغي أن يقتصر هذا المسار على المعلمين والخبراء، لأن الطلبة أنفسهم يجب أن يدخلوا هذا العالم من بوابة الفرص لا من بوابة الاستهلاك العشوائي. ويمكن هنا فتح الباب أمام مشاركتهم في مسابقات دولية، وبرامج تدريبية، ومشاريع ابتكار مدرسية مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بما يعزز ثقتهم بأنفسهم، ويحولهم من مستخدمين سلبيين إلى متعلمين فاعلين ومنتجين.الخلاصة أن إدماج الذكاء الاصطناعي في التعليم لم يعد ترفاً ولا موضوعاً مؤجلاً. تجاهله لن يحمي المدرسة، بل سيؤخرها. ومنع الطلبة من التعرف إليه لن يبقيهم بعيدين عنه، بل سيجعلهم يدخلون إليه بلا بوصلة. لذلك، فإن الطريق الأكثر حكمة ليس في مقاومة هذا التحول، بل في قيادته: عبر سياسة وطنية واضحة، ومناهج متدرجة، ومعلمين مؤهلين، وتجريب مدروس، وشراكات حقيقية مع الجامعات والخبراء.

في النهاية، ليست القضية أن أطفالنا سيستخدمون الذكاء الاصطناعي أم لا؛ لأنهم بدأوا باستخدامه فعلاً. القضية هي: هل سندعهم يكتشفونه وحدهم، أم سنقرّر أن المدرسة يجب أن تسبقهم إليه، وتعلّمهم كيف يستخدمونه بعقل ناقد، وأخلاق واضحة، وثقة بالمستقبل؟

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }