في الحادي والعشرين من آذار، لا يستعيد الأردنيون ذكرى عابرة، بل يستحضرون معنى الكرامة بوصفها قدرًا وقرارًا. هناك، على ضفاف النهر، في معركة الكرامة، لم يكن الاشتباك مجرد مواجهة عسكرية، بل كان اختبارًا لروح أمة، وإعلانًا صريحًا بأن هذا الوطن يعرف كيف ينهض حين تُستفز كرامته.
دخل الجيش العربي المصطفوي المعركة وهو يحمل إرثًا من الانضباط والعقيدة، ويقوده يقينٌ بأن الأرض تُصان بالفعل لا بالقول. فكان الميدان شاهدًا على رجالٍ آمنوا أن الدفاع عن الوطن ليس مهمة طارئة، بل التزام دائم. يومها، رسم الجندي الأردني حدود المعنى قبل حدود الجغرافيا، وأثبت أن الإرادة إذا صدقت، غيّرت موازين القوة.
وفي قلب ذلك المشهد، تتجلّى حكاية تختصر الكرامة كلّها؛ جنديٌّ أردنيٌّ، أدرك أن العدو بات على مسافةٍ تلامس موقعه، فاختار أن يسبق الخطر بقرارٍ لا يتردّد: “موقعي الهدف.”
لم تكن عبارةً عابرة، بل كانت ذروة الوعي بالواجب، حيث قدّم نفسه ليكون سدًّا أخيرًا، مانعًا العدو من التقدّم، رافضًا أن يكون أسيرًا أو طريدًا، ومصمّمًا أن يكون شهيدًا. تلك اللحظة لم تُكتب بالحبر، بل خُطّت بدمٍ يعرف طريقه إلى الخلود.
لقد شكّلت الكرامة، في وعي الدولة، منعطفًا حاسمًا، كان على رأسه الملك الحسين بن طلال، الذي أدرك أن صون الكرامة الوطنية يبدأ ببناء جيشٍ محترف، ودولةٍ متماسكة، وإرادةٍ سياسية لا تساوم على السيادة. فكانت المعركة رسالةً بأن الأردن، وإن ضاقت موارده، لا تضيق عزيمته.
ويمتدّ المعنى اليوم في ظل قيادة الملك عبدالله الثاني بن الحسين، الذي رسّخ معادلة دقيقة بين صلابة الموقف وحكمة الدبلوماسية. ففي زمن الشدائد، عرف الأردن كيف يقاتل حين يُفرض عليه القتال، وكيف يختار الدبلوماسية الدفاعية حين تشتدّ العواصف، لا تراجعًا، بل حفاظًا على الوطن في محيطٍ ملتهب، حيث البقاء للأكثر توازنًا، والأكثر قدرةً على قراءة المآلات.
هكذا بقي الأردن: إذا استُدعي للسلاح حضر، وإذا فُتحت أبواب السياسة تقدّم، جامعًا بين بأس الميدان ورجاحة القرار. فالكرامة ليست ذكرى تُروى، بل نهجٌ يُمارَس، يبدأ من الجندي على ثغره، ولا ينتهي عند رجل الدولة في موقعه.
في ذكرى الكرامة، ننحني إجلالًا لدماء الشهداء، ونستعيد الدرس الأعمق: أن الأوطان تُحفظ برجالٍ إذا قالوا فعلوا، وإذا دُعوا لبّوا، وإذا خُيّروا بين الانكسار والشهادة، قالوا كما قال ذلك الجندي: الهدف موقعي … فكان الوطن هو الغاية، وكان الخلود هو الجزاء.
رئيس لجنة بلدية سحاب المهندس عياده الحسبان