القانون الدولي للبحار الذي أرسته اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار وضع إطارا واضحا للتعامل مع المضائق والممرات البحرية التي تستخدم للملاحة الدولية، وفي مقدمتها مضيق هرمز الذي يعد أحد الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي، حيث أقرت الاتفاقية مبدأ “المرور العابر” الذي يتيح لجميع السفن التابعة للدول استخدام المضائق الدولية دون تعطيل أو اشتراط إذن مسبق، ما دام المرور يتم بشكل متواصل وسريع ولا يهدد أمن الدول الساحلية، وقد جاء هذا المبدأ نتيجة إدراك المجتمع الدولي أن تحويل المضائق إلى مناطق نفوذ سيادي مغلق سيقود إلى فوضى في حركة التجارة الدولية وإلى توترات دائمة بين الدول.
من هنا فإن أي إشارة إلى أن مرور السفن قد يحتاج إلى ترتيبات أمنية خاصة أو إلى موافقات عسكرية من دولة بعينها تثير إشكالية قانونية حقيقية، خاصة وأن المضائق الدولية، بحكم تعريفها القانوني، لا تعد مياها وطنية خاضعة لسيطرة مطلقة، بل ممرات مشتركة تخضع لنظام قانوني دولي يوازن بين سيادة الدول الساحلية وحق المجتمع الدولي في حرية الملاحة، ولأن هذا التوازن يمثل أحد أعمدة الاستقرار في النظام البحري العالمي، فإن أي محاولة لإعادة تفسيره وفق اعتبارات سياسية أو عسكرية ضيقة قد تفتح الباب أمام سوابق خطيرة.
سياسيا، تحمل تصريحات عراقجي رسالة تتجاوز بعدها القانوني إلى محاولة توظيف الجغرافيا البحرية في سياق الصراع الإقليمي والدولي الدائر في المنطقة، فالإيحاء بأن بعض الدول تسعى للحصول على ضمانات إيرانية لعبور سفنها قد يهدف إلى ترسيخ صورة إيران بوصفها طرفا قادرا على التحكم في مفاتيح أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم، غير أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة أن أمن الملاحة في المضائق الدولية مسألة جماعية ترتبط باستقرار النظام الدولي ككل، ولا يمكن أن تتحول إلى ورقة ضغط في نزاعات سياسية أو عسكرية.
اقتصاديا، تبدو المسألة أكثر حساسية، فالممرات البحرية في الخليج العربي تمثل شرايين رئيسية لتدفق الطاقة والتجارة العالمية، وأي إشارات توحي بإمكانية إخضاعها لاعتبارات سياسية أو عسكرية تثير قلق الأسواق العالمية وشركات الشحن والتأمين، لا سيما وأن الاقتصاد العالمي يعتمد إلى حد كبير على استقرار خطوط الملاحة البحرية، وأي شكوك حول أمن تلك الخطوط تنعكس فورا على أسعار الطاقة وتكاليف النقل وسلاسل الإمداد الدولية.
إن استقرار الممرات البحرية يمثل مصلحة دولية مشتركة تتجاوز حدود الدول المطلة عليها، لذلك فإن القاعدة التي استقر عليها القانون الدولي واضحة وهي أن "المضائق الدولية ملك للمجتمع الدولي من حيث الاستخدام الملاحي، وسيادة الدول الساحلية تمارس ضمن حدود لا تمس بحرية المرور العابر". هذا المبدأ هو الذي حافظ لعقود طويلة على انسيابية التجارة العالمية وعلى قدر من الاستقرار في مناطق تشهد توترات سياسية مستمرة.
أمام ذلك، تبدو الحاجة ملحة لتأكيد التمسك الصارم بقواعد القانون الدولي للبحار وعدم السماح بتسييس الممرات البحرية أو تحويلها إلى أدوات ضغط في الصراعات الإقليمية، لا سيما وأن حماية حرية الملاحة لا يمكن اعتبارها مسألة تقنية أو قانونية فقط، بل إنها تعد ركيزة أساسية لاستقرار الاقتصاد العالمي ومنع انزلاق المنطقة إلى صراعات أوسع قد تدفع كلفتها جميع الدول دون استثناء، ومن هنا فإن مسؤولية المجتمع الدولي اليوم تتمثل في الدفاع عن هذا المبدأ وترسيخه عمليا، لأن أي تراجع عنه قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الفوضى البحرية التي لن تكون في مصلحة أحد.