ولعل أعظم ما يوقظ الضمير في هذا الباب ما ورد في السنة النبوية من التحذير الشديد من أذية الناس في طرقاتهم، فقد قال النبي ﷺ: «اتقوا اللعّانين»، قالوا: وما اللعّانان يا رسول الله؟ قال: «الذي يتخلّى في طريق الناس أو في ظلهم». وكما جاء عنه ﷺ: «من آذى المسلمين في طرقهم وجبت عليه لعنتهم». وهذه الأحاديث تكشف خطورة هذا السلوك الذي قد يراه بعض الناس أمرًا عاديًا أو هينًا، بينما هو في ميزان الأخلاق الإسلامية ذنبٌ عظيم، لأن الطريق ملكٌ للجميع، والاعتداء على راحة الناس فيه اعتداء على حقٍ عام.
عزيزي القارئ، إن الصيام ليس مجرد كفٍّ عن الطعام، بل هو كفٌّ عن الجهل والغضب والأذى. وإذا كان الصائم مأمورًا بكفّ لسانه عن الإساءة، فكيف بمن يؤذي الناس بأفعاله وسلوكه في الطريق؟ فما نشاهده في الطرقات قبيل الإفطار أو في ساعات الازدحام الرمضاني يثير الأسى. فبدل أن يتحول الطريق إلى مساحةٍ للتسامح والتراحم، يتحول عند البعض إلى ساحة توترٍ وصراع. هذا يضغط على المنبه بعصبية، وذاك يصرخ على الآخرين، وثالث يقود سيارته بتهور وهذا يؤذي الناس بكل قوته حتى ضوء سيارته وكأن الناس عقبة في طريقه. وربما سمعنا من يبرر ذلك بقوله: "أنا صائم"، وكأن الصيام أصبح مبررًا للغضب لا دافعًا للصبر. والحقيقة أن هذا الفهم مقلوب تمامًا. فالصائم الحقيقي هو الذي يزداد حلمًا لا غضبًا، وصبرًا لا ضيقًا، ورحمةً لا قسوة.
الصيام إن لم ينعكس على أخلاق الإنسان وسلوكه مع الناس فقد فقد جزءًا كبيرًا من مقصده. وقد جاء التحذير النبوي الصريح حين قال ﷺ: "ربَّ صائمٍ ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش". وهذا يحدث عندما يفرّغ الصيام من روحه الأخلاقية ويصبح مجرد عادة جسدية لا أثر لها في السلوك. إن الطريق في رمضان هي مرآة أخلاق الصائمين. فحين يزدحم السير وتضيق الشوارع، يظهر الصبر الحقيقي، وحين يتأخر الإنسان عن الوصول إلى بيته قبيل الإفطار، يظهر صدق عبادته. وهنا يتمايز الناس: فبعضهم يجعل من هذه اللحظات ساحة غضب، وبعضهم يجعلها ساحة ذكر، فيصبر ويبتسم ويتسامح، ويحتسب كل ذلك عند الله.
قارئنا الكريم إذا كان إماطة الأذى صدقة، فكيف بوضع الأذى أو التسبب فيه؟! وكيف بمن يضيق الطريق على الناس بعصبيته وصراخه واندفاعه؟! إن الفرق بين هذين السلوكين هو الفرق بين روح الإيمان وروح الأنانية. ورمضان ليس شهر الأعصاب المتوترة، بل شهر القلوب الهادئة. وليس شهر الغضب في الطرقات، بل شهر الرحمة بين الناس. والصائم الذي يبتسم في وجه الآخرين في الطريق، ويصبر على الزحام، ويكف أذاه عن الناس، إنما يمارس عبادة خفية قد تكون أعظم عند الله من كثير من العبادات الظاهرة، لأنها تعكس صدق الإيمان وعمق التربية.
لذا لا بد أن يسأل كل صائم نفسه سؤالًا صادقًا: ماذا بقي من أثر صيامي في أخلاقي؟ هل جعلني أكثر صبرًا ورحمةً بالناس، أم جعلني أكثر ضيقًا وغضبًا؟ فالطرق تكشف حقيقة النفوس، والزحام يفضح ما تخفيه الأخلاق. ولعلنا في هذا الشهر المبارك أحوج ما نكون إلى أن نستحضر كلمات النبي ﷺ التي تهز الضمير: «ملعونٌ من آذى الناس في طرقاتهم». فكم من أذى صغير يراه صاحبه هينًا، بينما يراه الشرع ظلمًا لحقٍ عام. وكم من تصرف عابر في الطريق قد يجرح قلوب الناس أو يعرّضهم للخطر. وأعتب هنا على من يفترض أنهم أهل الخلق والدين سواء كان أستاذًا جامعيًا أو داعيًة يؤذي الناس في طرقاتهم.
ختامًا ليكن رمضان موسمًا لإصلاح أخلاق الطريق. وليكن الصيام مدرسةً نتعلم فيها أن نكفّ أذانا عن الناس قبل أن نكفّ أيدينا عن الطعام. فالدين الذي جعل إزالة الأذى عن الطريق صدقة، لا يمكن أن يرضى أن يتحول الصائم إلى مصدر أذى للناس في طرقاتهم.