لم تكن هذه العمليات مجرد جولة تصعيد عسكرية تقليدية، بل شكّلت نقطة انعطاف تاريخية في طبيعة الصراع، فالموجة الأولى من الضربات استهدفت مراكز القيادة العسكرية ومنشآت البرنامج النووي الإيراني، كما طالت القيادة السياسية العليا في إيران، بما في ذلك المرشد الأعلى خامنئي وعدداً من القادة العسكريين والسياسيين، في ما يمكن وصفه بعملية "قطع الرأس الاستراتيجي للنظام الإيراني".
هذا التطور نقل المواجهة من إطار حرب الظل التي سادت لسنوات طويلة إلى مرحلة أقرب إلى الحرب الإقليمية شبه المفتوحة.
على مدى عقدين تقريباً، أدارت إسرائيل وإيران صراعاً معقداً عرف في الأدبيات العسكرية باسم "الحرب بين الحروب" (War Between Wars).
كان هذا النموذج يقوم على عدة أدوات:
الاغتيالات الدقيقة للقادة والعلماء، والضربات الجوية المحدودة، والعمليات السيبرانية، والحرب الاستخبارية العميقة، واستهداف سلاسل الإمداد العسكرية.
وكان الهدف من هذا النموذج إضعاف الخصم ومنع تعاظم قدراته دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
لكن مع وصول البرنامج النووي الإيراني إلى مستوى “القدرة النووية الكامنة”، ومع تصاعد قدرات إيران الصاروخية وتوسع شبكة نفوذها الإقليمي، بدأت القيادة الإسرائيلية تعتبر أن هذا النموذج لم يعد كافياً لاحتواء التهديد.
وبذلك انتقلت الاستراتيجية من إدارة التهديد إلى محاولة تفكيكه جذرياً.
لما سبق يمكن فهم قرار الحرب من خلال ثلاثة متغيرات استراتيجية كبرى.
1. الاقتراب الإيراني من العتبة النووية، حيث تشير التقديرات الغربية إلى أن إيران باتت قريبة من امتلاك قدرة إنتاج سلاح نووي خلال فترة زمنية قصيرة إذا اتخذ القرار السياسي بذلك، وفي العقيدة الأمنية الإسرائيلية، يمثل هذا السيناريو تهديداً وجودياً غير قابل للاحتواء، حيث ان العقيدة الإسرائيلية التقليدية تقوم على مبدأ واضح، وهو منع أي قوة معادية في الشرق الأوسط من امتلاك السلاح النووي.
وهو المبدأ ذاته الذي قاد إلى ضرب المفاعل النووي العراقي عام 1981، وضرب المفاعل السوري عام 2007، ولكن الحالة الإيرانية تختلف جذرياً بسبب حجم الدولة وتعقيد بنيتها العسكرية.
خلال العقدين الماضيين، نجحت إيران في بناء شبكة نفوذ إقليمية متعددة الساحات تشمل: لبنان، وسوريا، والعراق، واليمن، وغزة، وهذه الشبكة لا تشكل مجرد تحالفات سياسية، بل تمثل منظومة ردع إقليمية غير متماثلة. وبذلك أصبحت أي مواجهة مع إيران حرباً متعددة الجبهات بطبيعتها.
يعيش العالم اليوم مرحلة انتقالية بين نظامين دوليين:
النظام الأحادي الذي قادته الولايات المتحدة بعد الحرب الباردة، والنظام متعدد الأقطاب الذي يتشكل حالياً، وهذا التحول أضعف قدرة القوى الكبرى على فرض الاستقرار في مناطق النزاع. وبالتالي أصبح الشرق الأوسط ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الجيوسياسية الكبرى.
تؤشر الضربات الأولى في هذه الحرب إلى أن الاستراتيجية المشتركة تقوم على ثلاثة أهداف رئيسية:
1. تفكيك البرنامج النووي الإيراني
وذلك عبر:
ضرب المنشآت النووية، واستهداف العلماء والقيادات التقنية، وتعطيل سلاسل الإمداد.
2. إضعاف بنية القيادة العسكرية الإيرانية من خلال إرباك منظومة القيادة والسيطرة، وإضعاف قدرة النظام على إدارة الحرب، وخلق فراغ قيادي داخلي.
3. إعادة تثبيت الردع الإقليمي، حيث شهدت إسرائيل خلال السنوات الأخيرة تآكلاً نسبياً في صورة الردع نتيجة تعدد الجبهات وتزايد قدرات الخصوم، وبالتالي تهدف هذه الحرب إلى إعادة فرض معادلة الهيمنة العسكرية الإسرائيلية في المنطقة.
وعلى الرغم من الضربة القاسية التي تعرضت لها القيادة الإيرانية، فإن طبيعة النظام السياسي في إيران تجعل من الصعب انهياره بسرعة، فهو مصمم ليكون نظاماً مؤسسياً لا يعتمد على شخص واحد.
ولهذا سارعت طهران إلى تشكيل قيادة انتقالية لإدارة الدولة بعد مقتل المرشد الأعلى.
تقوم الاستراتيجية الإيرانية في هذه المرحلة على ثلاثة محاور:
توسيع ساحات المواجهة لتشتيت القوة العسكرية للخصوم.
الردع الصاروخي والمسيرات ضد إسرائيل والقواعد الأمريكية.
الحرب الاقتصادية عبر تهديد طرق الطاقة العالمية.
أخطر ما في هذا الصراع هو طبيعته متعددة الجبهات.
فالمنطقة اليوم تحتوي على عدة بؤر قابلة للاشتعال في وقت واحد: لبنان وسوريا والعراق والخليج والبحر الأحمر، وأي تصعيد كبير قد يؤدي إلى:
اضطراب واسع في أسواق الطاقة، وتعطّل الملاحة في الخليج، وتورط قوى دولية كبرى في الصراع، وهذا يعني أن الحرب الحالية قد تتحول إلى أكبر مواجهة إقليمية في الشرق الأوسط منذ حرب 1973.
ما يجري اليوم يتجاوز الصراع بين إسرائيل وإيران، إنه في جوهره صراع على شكل النظام الإقليمي القادم، وهناك مشروعان متنافسان:
المشروع الأمريكي-الإسرائيلي ويقوم على:
بقاء إسرائيل القوة العسكرية المهيمنة، واحتواء إيران، بالإضافة إلى إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية.
في المقابل هناك المشروع الإيراني الذي يسعى إلى: خلق توازن ردع مع إسرائيل، وبناء محور إقليمي متعدد الساحات، وتقليص مساحة النفوذ الأمريكي في المنطقة.
الحرب التي بدأت في أواخر شباط 2026 قد تكون واحدة من أكثر اللحظات مفصلية في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، فاغتيال رأس النظام الإيراني لم يكن مجرد عملية عسكرية، بل رسالة استراتيجية مفادها أن قواعد الاشتباك القديمة قد انتهت، ولكن التجربة التاريخية للمنطقة تشير إلى حقيقة أساسية وهي ان الحروب في الشرق الأوسط نادراً ما تبقى ضمن حدودها الأولى. فما يبدأ كضربة محدودة قد يتحول سريعاً إلى صراع إقليمي واسع يعيد رسم خرائط القوة والنفوذ. ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي يواجه المنطقة اليوم ليس فقط من سيتفوق عسكرياً في هذه الحرب، بل أي شرق أوسط سيخرج من رحمها؛ شرق أوسط تهيمن عليه قوة واحدة، أم شرق أوسط متعدد القوى والتوازنات.