لقد غير العصر الرقمي مفهوم الأمن جذرياً، فلم يعد مقتصراً على الحدود والنقاط العسكرية، بل امتد إلى هواتف الأفراد وحساباتهم، وأصبحت الصورة أو المقطع القصير قادراً على كشف مواقع أو قدرات من خلال تفاصيل عابرة في الخلفية. وفي أجواء القلق العام، تنتشر الأخبار غير الموثقة أسرع من التحقق منها، فتتحول الشائعات إلى "حقائق"متداولة تربك المجتمع وتضاعف أثر الأزمة عبر خلط الوقائع بالتكهنات.
وقد برزت أمثلة واضحة على ذلك في الحرب بين روسيا وأكرانيا، حيث شددت السلطات في البلدين القيود على تصوير المواقع المستهدفة ونشر مقاطع الضربات، بعدما تبيّن أن بعض الفيديوهات المتداولة مكّنت الخصوم من تحليل دقة الإصابات وتحديد الإحداثيات وتقييم نتائج الهجمات.
وفي السياق ذاته، اتجه الإعلام الرسمي الروسي إلى نشر بعض المقاطع بعد طمس المعالم الجغرافية والتفاصيل الدالة على المواقع، تجنباً لإتاحة أي معلومات قد تُستثمر عسكرياً، بينما دعت السلطات الأوكرانية المواطنين إلى الامتناع عن التصوير أو التشارك الفوري لآثار الضربات للسبب ذاته.
كما شهد عام 2025، خلال حرب استمرت 12 يوماً بين إسرائيل وإيران، إقرار الكنيست الإسرائيلي قانوناً يفرض قيوداً على التصوير والنشر خلال فترات الحرب، بهدف الحفاظ على الأمن ومنع تسريب معلومات قد تُستغل من قبل جهات معادية. وشمل القانون حظر تصوير عمليات القصف أو اعتراض الصواريخ، ومنع نشر الصور أو مقاطع الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي أثناء الأعمال العسكرية، وتقييد عمل وسائل إعلام أجنبية مصنفة "معادية"، إضافة إلى منع تصوير المواقع العسكرية أو الحساسة.
من هنا، يتكرر تأكيد الجهات الرسمية الأردنية والخليجية أن القنوات المعتمدة هي المصدر الموثوق للمعلومات في الظروف الحساسة، ليس لحجب الحقائق، بل لضبط دقتها وتوقيت إعلانها بما يوازن بين حق الجمهور في المعرفة ومتطلبات الأمن الوطني. ففي زمن الأزمات، قد يكون التروي والامتناع عن الضغط على زر "النشر" موقفاً واعياً يحمي المجتمع أكثر مما يتصور البعض.