اليوم، ومع تصاعد التوترات السياسية في المنطقة، يعود السؤال إلى الواجهة: هل الأردن جاهز فعليًا للانتقال إلى التعليم عن بُعد إن لزم الأمر؟ أم أن هذا الخيار ما يزال مقتصرًا على المدارس الخاصة التي تمتلك البنية التحتية والقدرة المالية؟
خلال جائحة كورونا، طوّرت وزارة التربية والتعليم منصات رقمية، وقدمت آلاف الساعات من التدريب للكوادر التعليمية، واستثمرت في المحتوى الإلكتروني. لا يمكن إنكار أن المعلم الأردني خاض تجربة غير مسبوقة واكتسب مهارات رقمية لم تكن ضمن أولوياته سابقًا. كثير من المعلمين تعلموا إدارة الصف الافتراضي، وتصميم المحتوى الرقمي، والتعامل مع أدوات التقييم الإلكتروني.
لكن السؤال الحقيقي ليس: هل تدرب المعلم؟ بل: هل أصبحت البيئة بأكملها جاهزة؟
التعليم عن بُعد ليس منصة فقط، بل منظومة متكاملة تبدأ بالبنية التحتية الرقمية، مرورًا بتوافر الأجهزة والإنترنت، وصولًا إلى الدعم الفني المستمر للأسر والمعلمين. وهنا تظهر الفجوة بوضوح.
في المدارس الخاصة، حيث يمتلك معظم الطلبة أجهزة شخصية واتصالًا مستقرًا بالإنترنت، يمكن أن يكون الانتقال أكثر سلاسة. أما في المدارس الحكومية، خاصة في المناطق النائية أو بين الأسر ذات الدخل المحدود، فالصورة أكثر تعقيدًا. لا تزال هناك أسر يتشارك أبناؤها جهازًا واحدًا، وأخرى تعتمد على بيانات هاتف محدودة، وبعض المناطق تعاني أصلًا من ضعف التغطية.
خلال الجائحة، طُرحت حلول بديلة مثل الدروس التلفزيونية، والمواد المطبوعة، وتوزيع بعض الأجهزة بدعم من شركاء دوليين. لكنها كانت حلولًا إسعافية أكثر منها نظامًا مستدامًا. والسؤال المطروح اليوم: هل تحولت تلك الحلول إلى خطط جاهزة للتفعيل عند الطوارئ؟ أم أنها بقيت استجابات مؤقتة لمرحلة وانتهت بانتهائها؟
التجربة الأردنية في التعليم عن بُعد لم تكن فاشلة، لكنها كشفت بوضوح عن فجوة رقمية مرتبطة بالدخل والموقع الجغرافي. هذه الفجوة لا تمس العدالة التعليمية فحسب، بل تمس مفهوم تكافؤ الفرص ذاته. فإذا كان الوصول إلى التعليم مرتبطًا بقدرة الأسرة على شراء جهاز لوحي أو اشتراك إنترنت، فإننا نكون قد نقلنا الفجوة من جدران المدرسة إلى سرعة الشبكة.
من جهة أخرى، لا يمكن التقليل من أثر التجربة. فهناك تراكم معرفي حصل. هناك منصات قائمة، ومحتوى رقمي جاهز، وكوادر أكثر وعيًا بأدوات التعليم الإلكتروني. بمعنى آخر، لسنا في المربع الأول. لكننا أيضًا لسنا عند خط النهاية.
التحول السلس إلى التعليم عن بُعد – إن فُرض علينا – يتطلب ما هو أبعد من التدريب. يتطلب خطة وطنية للطوارئ التعليمية، تشمل خرائط دقيقة للفجوات الرقمية، وآليات دعم واضحة للأسر ذات الدخل المحدود، واستثمارات في البنية التحتية للاتصال في المناطق النائية، إضافة إلى دعم نفسي وتربوي للطلبة الذين أثبتت التجربة أن التعلم الذاتي ليس سهلاً عليهم جميعًا.
التعليم عن بُعد ليس مجرد خيار تقني، بل قرار اجتماعي يمس العدالة والاستقرار. وإذا كانت الأزمات السياسية تفرض علينا التفكير في البدائل، فإن الحكمة تقتضي أن يكون هذا البديل عادلًا وشاملًا، لا انتقائيًا.
ربما السؤال الأصدق اليوم ليس: هل نستطيع العودة إلى التعليم عن بُعد؟
بل: هل نستطيع أن نعود إليه دون أن نترك أحدًا خلف الشاشة… أو خارجها؟