هذا المفهوم يدفعنا بحق إلى التواضع والانتباه لمن يستحقون التقدير الحقيقي، وإنزالهم منازلهم، دون الاهتمام بأولئك الذين يصرّون على أخذ مكان الآخرين عنوةً، ودون حساب للمشاعر الإنسانية أو تدبّرٍ في معنى الإيثار.
قد نكون الرقم واحد في مكانٍ معين، ولكن يتغيّر الحال في مكانٍ آخر، وعلينا ألّا نشعر بالحساسية تجاه ذلك، بل نتفهّم طبيعة دور كل واحدٍ منا في خضم حياة تغيّرت فيها النفوس كثيرًا، بعيدًا عن مظاهر "الإتيكيت" والعادات، لتشمل قيمًا جديدة.
التواضع سمة لفهم معنى الرقم الاجتماعي، فالتفضيل يكون بالعمل والعطاء والإخلاص، واحترام مكانة الجميع بمنتهى البساطة والشفافية والوضوح وحسن التقدير و"الشبع الروحي"، والترفع عن مقاعد الكبار.
الإحراج الذي يصيب البعض ناتج عن فراغٍ نفسي يدفع إلى السباق نحو مكانٍ ليس مناسبًا لقدره وقيمته ومكانته؛ ولهذا ينسحب عدم التصرف اللائق، كإزاحة شخصٍ من مكانته عنوةً، إلى مشكلاتٍ لا تنتهي في العلاقات الاجتماعية.
عندما نكون في المكان المناسب للتقدير، نحظى فيه برقمٍ مميز نحترم فيه أنفسنا، فنجد الارتياح النفسي والمعنوي، بعيدًا عن أضواء الغرور والظهور والتصوير في الصفوف الأولى، وتلك مشكلة متكررة في كل احتفالٍ ومناسبةٍ عامة.
عند النفوس الكبيرة سمات من التواضع وحسن المظهر والجوهر، تتجلّى خلالها روح طيبة من تقدير الذات وعدم الاكتراث بملوثات التكبر والاستهتار بمشاعر الآخرين وأخذ أماكنهم.
في المأثورات العديد من قصص التواضع والإيجابية والمعاملة الطيبة واللطف والرقة وحسن الحوار، ولعلنا في شهر رمضان الفضيل نقتفي طباع الرحمة المهداة وشفيع الأمة، حين كان خُلُقه القرآن، ونموذجًا للأخلاق الرفيعة، متسمًا بصفات إنسانية سامية؛ كأعلى درجات الرحمة، والتواضع الشديد، والعدل، والزهد في الدنيا، حيث تميز بطيب الكلام والصدق والأمانة والشجاعة في الحق، مع رأفةٍ بالمؤمنين ورحمةٍ بالضعفاء.
تُحتّم علينا الإيجابية دومًا حسن التصرف، ودفء اللسان، وطيب المعشر، وتقدير الآخرين، وفهم تغيّر الرقم من واحد إلى عشرة –على سبيل المثال– وقبول الدور المناط بنا في كل موقع: الزوج والزوجة، والابن والبنت في الأسرة، ودورهم –بل رقمهم الاجتماعي– غير العمل والمؤسسة خارج البيت، وتقاسمهم المسؤولية بنجاح ووئام.
التكيف مع الانتقال من رقم واحد إلى بقية الأرقام الاجتماعية مهارة تريح النفس كثيرًا، وتدفعها إلى القناعة والإيثار والرفعة وتقدير الذات؛ فمهما كان رقمنا متقدمًا، علينا أن نتفهّم أن الأمر قابل للتغيير، وأن ثمة رقمًا واحدًا غير ثابت في جميع الأحوال.
من يتصدر المجالس والمنابر والحديث يقع دومًا في خطأ عدم فهم مدلول الرقم الاجتماعي، من حيث الأهمية والتخصص والمعرفة والثقافة والهيبة والنزاهة والقناعة والاحترام، وتقدير دور كل فردٍ في المجتمع، مهما كان رقمه الاجتماعي أو الشريحة التي ينتمي إليها.
رموز العطاء في بلدنا الطيب لهم منا كل التقدير لما يساهمون به من جهدٍ موصول في مسيرة عمل الخير، وفي المواقع والمجالات كافة، دون أضواء أو ظهور، بل بمنتهى المودة والاحترام للجميع؛ طوبى لهم، كما تطيب نفوسهم همةً ونشاطًا ورجاءً.