مع احتدام المنافسة بين الدول للتموضع داخل الخرائط التجارية الناشئة، تصبح قوة الربط بين الموانئ والمدن والأسواق عاملاً حاسماً في جذب الاستثمارات والتدفقات التجارية، فالسكك الحديدية ليست مجرد وسيلة نقل، بل أداة تعيد تشكيل خريطة الفرص الاقتصادية، وعلى المدى القصير سيؤدي تنفيذ مشروع وطني بهذا الحجم إلى تحسن بالغ ومباشر في الاقتصاد من خلال أعمال الإنشاء والعقود الهندسية والطلب على المواد وتشغيل الأيدي العاملة وما يرافق ذلك من خدمات تشمل اغلب القطاعات الاقتصادية التي ترافق قطاع الانشاء، ومن المفترض ان يمتد الأثر لاحقا إلى قطاعات اخرى متعددة مرتبطة بالمشروع في كافة المناطق التي تمر عبرها خطوط الشبكة، بما ينعكس على معدلات النمو ويعزز الزخم الاقتصادي في مرحلته الأولى.
غير أن القيمة الحقيقية تتجاوز مرحلة البناء، فالتاريخ الاقتصادي الحديث يبين أن شبكات السكك الحديدية كانت في كثير من الأحيان تسبق موجات التوسع الصناعي لا أن تتبعها، إذ تنشأ على امتداد الخطوط مراكز لوجستية وموانئ جافة ومستودعات ومناطق صناعية ومحطات استراحة، وترتفع قيم الأراضي وتتبع الاستثمارات الخاصة الإشارات العامة، فعندما تلتزم الدولة بمشروع طويل الأمد يعزز الربط بين الأقاليم فإنها ترسل رسالة واضحة لكافة تفرعات القطاع الخاص، وتتحسن التوقعات لدى الباحثين عن فرص، فالتوقعات عنصر حاسم في قرارات الاستثمار، إذ إن الشركات لا تستثمر استجابة للطلب الحالي فحسب، بل بناءً على تصورها للفرص المستقبلية.
هنا يبرز البعد السلوكي بوصفه مكملاً للبعد الاقتصادي، فالبنية التحتية لا تعيد رسم المسافات فحسب، بل تعيد تشكيل الإدراك، ويبين علم السلوك أن المسافة النفسية تؤثر في القرارات بقدر تأثير المسافة الجغرافية وربما أكثر، فعندما تبدو المدن بعيدة زمنياً وذهنياً تبدو الفرص فيها أقل قابلية للتحقق، وتنخفض حركة العمل والاستثمار بين المحافظات، أما عندما يُختصر الزمن وتصبح الحركة أكثر سلاسة فإن الخريطة الذهنية للمواطن تتغير، وتتحول إربد والزرقاء وعمّان ومعان والعقبة إلى نقاط مترابطة متقاربة ضمن منظومة وطنية واحدة، وعندما تتقلص المسافة في الذهن ينخفض إدراك المخاطرة ويصبح التوسع خارج النطاق المحلي أكثر قبولاً.
ولا يقف الأثر عند حدود الاقتصاد، فسهولة التنقل تعزز الروابط التجارية والتعليمية والثقافية وحتى الترفيهية والسياحية في آن واحد، ويبدأ الأفراد في اختبار بلادهم كوحدة متكاملة لا كمناطق منفصلة، ويتعزز الإيمان المشترك بقدرة المجتمع على تنفيذ مشاريع كبرى والحفاظ عليها، وهذا الشعور لا يُقاس بالأرقام فقط، بل ينعكس في مستويات التفاؤل وروح المبادرة والاستعداد لتحمل المخاطرة المحسوبة، فالمشروع هنا لا يختصر المسافات بين المدن فحسب، بل يختصر المسافات بين الطموحات أيضاً.
أما الانتقادات التي تثار حول المشروع فتتمحور غالباً حول التمويل وحول مدى الحاجة الفعلية إليه، وهي تساؤلات مشروعة في ظل القيود المالية، غير أن أدوات التمويل لم تعد محصورة بالإنفاق الحكومي المباشر، فقد أثبتت تجارب الشراكة بين القطاعين العام والخاص ونماذج البناء والتشغيل والتحويل وإشراك المستثمرين إمكانية توزيع المخاطر وجذب رؤوس أموال طويلة الأجل إذا توفرت الإرادة السياسية والحوكمة الرشيدة، وعندها لا يصبح السؤال هل يمكن التمويل فحسب، بل كيف يُصمم التمويل بصورة مستدامة تحقق التوازن بين الجدوى الاقتصادية والاستقرار المالي.
أما مسألة الحاجة فتتغير الإجابة عليها بحسب زاوية النظر، فإذا نُظر إلى المشروع باعتباره مجرد وسيلة نقل ركاب فقد يبدو النقاش محدوداً، أما إذا اعتُبر منصة تنموية متكاملة تتكامل مع التحولات في مسارات التجارة الإقليمية فإن الصورة تختلف، فالمشاريع الكبرى من هذا النوع تخلق قيمة مستقبلية ممتدة تتخطى معايير التصور الحالية، وتضع البلاد في موقع يمكنها من التقدم.
– باحث في الاقتصاد والسياسات السلوكية