إسرائيل دولة صغيرة في الجغرافيا، لكنها كبيرة في التمادي الأمني والاستراتيجي. ومنذ تأسيسها، بنت عقيدتها على مبدأ واضح: التفوّق الدائم، ومنع نشوء أي توازن إقليمي حقيقي. هذا التفوق لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يمتد إلى السياسة، والاقتصاد، والتكنولوجيا، والعلاقات الدولية.
هل تسعى إسرائيل إلى "السيطرة" بمعناها الكلاسيكي؟.
ربما لا بالاحتلال المباشر، لكن المؤكد أنها تعمل على إدارة الإقليم بما يخدم مصالحها. فإضعاف الدول المحيطة، واستنزافها بصراعات داخلية، وإشغالها بأزمات أمنية واقتصادية، يصبّ في مصلحة إسرائيل أكثر من أي حرب شاملة قد تكلّفها الكثير.
لقد أثبتت التجربة أن دولة الاحتلال (إسرائيل) تفضّل شرق أوسط مجزأ، متنازع، مشغول بنفسه، على شرق أوسط مستقر وقوي. فالدول القوية ذات القرار المستقل تشكّل خطرًا، أما الدول المنهكة والمنقسمة فهي بيئة آمنة للمناورة والتفوّق.
ولا يمكن فصل هذا الدور عن الغطاء الدولي الذي مكّن إسرائيل من التحرك بأريحية في الإقليم، سواء عبر الدعم السياسي أو العسكري أو الدبلوماسي. هذا الغطاء منحها شعورًا دائمًا بأن كلفة التصعيد محدودة، وأن هامش الخطأ واسع.
غير أن السؤال الأهم ليس ما تريده إسرائيل، بل ما الذي تريده دول الشرق الأوسط لنفسها. فغياب مشروع عربي وإقليمي موحّد، وضعف التنسيق، وتقديم الخلافات الداخلية على المصالح العليا، كلها عوامل فتحت الباب واسعًا أمام التدخل والهيمنة غير المباشرة.
الخلاصة إن دولة الاحتلال لا تحتاج إلى السيطرة الرسمية على الشرق الأوسط، طالما أن الواقع القائم يضمن لها التفوق والأمن وحرية الحركة. أما كسر هذه المعادلة، فلا يكون بالشعارات، بل ببناء دول قوية، واقتصادات مستقلة، ومجتمعات واعية، تدرك أن الفراغ السياسي لا يبقى فارغًا، بل يملؤه الآخرون.