الأردن اليوم لا يتحرك في بيئة سياسية عادية، بل في إقليم تتبدل فيه الاصطفافات بسرعة، وتُعاد فيه صياغة أولويات القوى الكبرى على وقع الحروب والأزمات الاقتصادية والتوترات العابرة للحدود. في مثل هذا المناخ، تصبح حركة الدولة الأردنية في الخارج جزءاً من معركة حماية المصالح الوطنية، لا مجرد نشاط دبلوماسي روتيني. ومن هنا يمكن فهم الاجتماع الذي عقده جلالة الملك عبد الله الثاني في بريطانيا كجولة جديدة من مبادرة "اجتماعات العقبة" ضمن سياق أوسع يتجاوز اللقاءات الثنائية أو البروتوكولية، ليعكس إدارة واعية لموقع الأردن في خريطة معقدة تحاول أن تحجز للدولة مكاناً فاعلاً في لحظة إقليمية لا تعترف بالفراغ ولا ترحم المترددين.
هذا الاجتماع الذي حدث بين جلالة الملك ورئيس الوزراء البريطاني هو ترجمة عملية لنهج دبلوماسي متشعب بدأ الملك في بلورته منذ سنوات. لذلك فان مبادرة "اجتماعات العقبة" التي أطلقها الملك عام 2015 أصبحت منصة دبلوماسية فاعلة تضم شركاء دوليين وإقليميين، وتركز على محاربة الإرهاب، تعزيز الأمن المشترك، ونشر ثقافة الحوار والتعاون. هذه المبدرات الخارجية الدولية ليست انعكاساً لسياسة خارجية باردة أو منعزلة، بل هي قوة ناعمة تُستخدم لصياغة تحالفات استراتيجية تُعزز المكانة الأردنية في مواجهة تحديات معقدة تتجاوز الإرهاب إلى شمولية الأمن الاقتصادي والسياسي والاجتماعي.
لكن التفاوض من موقع القوة لا يعني امتلاك أدوات ضغط صلبة فحسب، بل يعني قبل ذلك امتلاك رؤية واضحة للمصالح الوطنية، وتحديداً دقيقاً للأولويات، وبيئة داخلية متماسكة. الأردن لا يستند إلى فائض قوة عسكرية أو اقتصادية بالمعنى التقليدي، لكنه يمتلك شرعية سياسية مستقرة، ومؤسسات أمنية محترفة، وخبرة تراكمية في إدارة الأزمات الإقليمية، إضافة إلى شبكة علاقات متوازنة مع أطراف متناقضة. هذه العناصر هي رأس المال الحقيقي للدولة. وحين يقود الملك جولات خارجية أو يشارك في اجتماعات أمنية واستراتيجية في عواصم مؤثرة مثل لندن، فإنه لا يسعى إلى تسجيل حضور إعلامي، بل إلى تثبيت الأردن كطرف لا يمكن تجاوزه في معادلات الأمن الإقليمي.
القوة التفاوضية الأردنية تتعزز عندما يكون الأردن شريكاً في صناعة الحلول لا متلقياً لنتائجها. المبادرات التي يقودها الملك في ملفات مكافحة الإرهاب، والاستقرار الإقليمي، والدفاع عن حل الدولتين، تضع الأردن في موقع من يصوغ أجندة ويقترح مسارات، لا في موقع الانتظار. هذا التحول من رد الفعل إلى الفعل هو جوهر التفاوض من موقع القوة. فالدولة التي تطرح مبادرات، وتبني تحالفات على أساس مصالح واضحة، وتقدم نفسها كركيزة استقرار، تملك هامشاً أوسع في حماية مصالحها الاقتصادية والسياسية.
هذه المعادلة تكتمل باستمرار الإصلاح الداخلي الذي يعيد إنتاج الثقة بين الدولة والمجتمع ويعزز مناعة الاقتصاد الوطني. فحين يتحدث الأردن في الخارج عن الاستقرار، سيكون هذا الاستقرار انعكاساً لبنية داخلية صلبة.
الربط بين الجولات الخارجية والإصلاح الداخلي ضرورة استراتيجية. فكلما تعززت المشاركة السياسية، وتطورت الحياة الحزبية، وتحسنت بيئة الاستثمار، أصبح القرار الوطني أقل عرضة للضغوط. وكلما شعر المواطن بأن مسار التحديث السياسي والاقتصادي يمس حياته اليومية، تحولت السياسة الخارجية إلى امتداد طبيعي لإرادة وطنية جامعة.
اجتماع الملك في بريطانيا يمكن قراءته كجزء من استراتيجية أوسع لإعادة تثبيت الدور الأردني في منظومة الأمن الإقليمي والدولي. لكن هذا الدور لن يبلغ أقصى طاقته إلا باستمرار عملية الإصلاح المؤسسي والإقتصادي المتدرج وواضح المعالم. فالقوة الحقيقية تُبنى في الداخل، ثم تُدار بمهارة في الخارج. وعندما تتكامل الجبهة الداخلية مع حركة دبلوماسية نشطة يقودها جلالة الملك، يصبح التفاوض من موقع القوة واقعاً عملياً لا شعاراً سياسياً.
محامٍ وخبير قانوني