أولاً: جدلية الضجيج والفراغ
نعيش اليوم في عالم يضج بكل شيء، لكنه يخلو من "المعنى". لقد تحولت ساحاتنا العامة، الواقعية والافتراضية، إلى حلبات للثرثرة العابرة، حيث ضاعت هيبة الصمت التأملي أمام صخب "الترند" الزائف. إن أزمة الإنسان المعاصر، وتحديداً في مجتمعنا، هي أزمة "تشتت الوعي". لقد أصبحنا نستهلك المعلومات بدل أن ننتج المعرفة، ونتواصل عبر الشاشات بدل أن نلتقي بالأرواح.
هذا الضجيج ليس بريئاً؛ إنه يحجب عنا رؤية "الأنا" الحقيقية. عندما يغيب التأمل، يغيب النقد، وعندما يغيب النقد، نصبح قطيعاً يساق نحو الاستهلاك الأعمى. إنني أتساءل بمرارة: أين ذهبت تلك الجلسات التي كانت تمتد لساعات حول فنجان قهوة، نناقش فيها مصير الأمة وقصائد الشعر وهموم الجار، دون أن يقطع خلوتنا إشعار من هاتف بارد؟ إننا نفقد بالتدريج قدرتنا على الدهشة، وقدرتنا على الانصات لصوت الضمير، وسط ضجيج المادة الذي لا يرحم.
ثانياً: استلاب الهوية بين الأصالة والاغتراب
إن الخطر الحقيقي الذي يتهددنا ليس في نقص الموارد، بل في "استلاب الشخصية". نحن أمام جيل ينشأ على ثقافة "معلبة" تأتيه من وراء البحار، جيل قد يعرف تفاصيل حياة مشاهير العالم، لكنه يجهل تضاريس وجع والده، أو تاريخ قرية أردنية صمدت في وجه الريح.
إنني أنظر إلى وجه الملك، وأرى في عينيه حرص القائد الذي يدرك أن بناء الإنسان هو الاستثمار الأصعب والأبقى. ولكن، هل تقوم المؤسسات الثقافية والتربوية بدورها في غرس "الأصالة الحيوية"؟ تلك الأصالة التي لا تعني الانغلاق، بل تعني أن نمد أغصاننا إلى العالم دون أن نقتلع جذورنا من الأرض. إننا بحاجة إلى ثقافة تحمي الذاكرة الجماعية من النسيان، وتعيد لترابنا لغته وقداسته.
ثالثاً: الإنسان هو البناء الأغلى
ولا يمكننا ونحن نتحدث عن استعادة "الإنسان" إلا أن نستحضر في وجداننا تلك الصرخة المدوية التي أطلقها باني النهضة، الملك الحسين بن طلال -طيب الله ثراه-، حين قال بلسان الأب والقائد: "الإنسان أغلى ما نملك". لم تكن هذه الكلمات مجرد شعار يُرفع، بل كانت "فلسفة حكم" ومنهج حياة. لقد آمن الحسين بأن قوة الأوطان لا تُقاس بترسانتها العسكرية أو أرصدتها البنكية فحسب، بل تُقاس بكرامة مواطنها ووعيه وانتمائه.
إنني، أرى في عينَي جلالة الملك عبد الله الثاني المعظم اليوم ذلك الامتداد لهذا الإرث العظيم؛ إرث الحسين الذي جعل من الأردن صخرة تتحطم عليها المؤامرات بفضل "إنسانها" الصامد. إن وفاءنا لذكرى الحسين العطرة يتطلب منا اليوم أن نحمي هذا "الإنسان" من التآكل القيمي، وأن نعيد إحياء مدرسة الحسين في الصبر، والعطاء، والأنفة. فالحسين الذي بنى المؤسسات، كان يدرك أن "العنصر البشري" هو الروح التي تمنح هذه المؤسسات حياتها. واليوم، نجدد العهد بأن يظل الأردن، كما أراده الحسين وكما يقوده أبو الحسين، وطناً تُحترم فيه العقول، وتُصان فيه الكرامات، ويُحتفى فيه بـ "الإنسان" كأسمى قيمة وجودية.
رابعاً: دور المثقف في "زمن الرماد"
المثقف ليس من يقرأ الكتب فقط، بل هو من يقرأ الواقع بقلبه. إن دورنا ككتاب هو أن نكون "بوصلة" وسط هذا الضباب. لا يجوز للمثقف أن يعتزل في برجه العاجي تاركاً الساحة للمهرجين وسطحيي الطرح. إن المسؤولية التاريخية تحتم علينا أن نكون "صوت من لا صوت لهم"، وأن نجسّر الهوة بين تطلعات القيادة وآلام القاعدة.
إنني أدعو إلى "ثورة ثقافية ناعمة"، تبدأ من المدرسة وتنتهي في صالونات السياسة. ثورة تعيد الاعتبار للكتاب، للمسرح، للرواية، وللحوار العقلاني الرصين. إن شعباً يقرأ هو شعب لا يمكن هزيمته، وأمة تعتز بمثقفيها هي أمة تمتلك ناصية المستقبل وتصمد أمام أعاصير العولمة التي تريد مسخ الهويات وذوبانها.
خاتمة: العودة إلى الذات والوطن
في النهاية، سيبقى القلم هو السلاح الأكثر طهراً، وستبقى الكلمة هي الأمانة التي سنحاسب عليها أمام الله والتاريخ. إنني لا أطالب بالمستحيل، بل أطالب بالعودة إلى "الأصل". العودة إلى بساطتنا العميقة، وإلى قيمنا التي جعلت من هذا الوطن الصغير بمساحته، كبيراً بأثره ورسالته.
إن استعادة "الإنسان" هي القضية التي يجب أن تتوحد حولها كل الجهود. من قلب حرصي على الأردن، ومن نبض حبي لترابه، أرفع هذا الصوت لعلّه يجد صدى في كل بيت، وفي كل مكتب، وفي كل ضمير حي. فالأردن ليس مجرد جغرافيا عابرة، بل هو فكرة خالدة، والوطن ليس مجرد سكن للأجساد، بل هو سكون الروح في رحاب الكرامة والوعي الأصيل.