تتجلى في شهر رمضان المبارك أسمى معاني التعبد والتقرب إلى الله تعالى، وتتجدد فيه الأواصر الاجتماعية والإنسانية، وحين فرض الله -عز وجل- الصيام -وهو الركن الرابع بعد الشهادتين وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة- يتضمن تزكية للنفس وتطهيرا للروح، ولا تكمن الغاية منه فقط الامتناع عن الطعام والشراب وسائر المفطرات، لكنه تهذيب للسلوكات وللروح ومادة تدريبية على الصبر وضبط الشهوات، وهذا يجعل المسلم يدرك قيمة النعم التي ربما غفل عنها باقي أيام السنة، أو ربما اعتاد عليها من باب اعتياد النعم، دون الإحساس بها وشكر الله عليها، كما أنه يشعر بمعاناة الفقراء والمحتاجين؛ مما يجعله مقبلا على الإحسان والعطاء.
شهر رمضان فيه أُنزل القرآن الكريم، "هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان"، فيه يزداد إقبال المسلمين على تلاوته والاستماع إليه، وتدبر آياته والتمثل بسلوكياته؛ مما يجعل المسلم يتعمق في دراسة إعجازه البياني والتشريعي، كما تقام صلاة التراويح، وقيام الليل والاعتكاف في المساجد، حيث تلاوة القرآن الكريم بصوت خاشع؛ مما يشعر المسلم بالسكينة والطمأنينة.
ليلة القدر" خير من ألف شهر"، كما وصفها الله تعالى، ليلة عظيمة القدر، فيها تحدد الأرزاق والآجال، وتتضاعف فيها أجور الأعمال الصالحة، يحرص المسلمون على إحيائها بالعبادات والدعاء والاستغفار يلتمسون فيها رحمة الله وغفرانه -سبحانه وتعالى-.
يعد شهر رمضان الكريم، شهر التكافل الاجتماعي، حيث يتسابق المسلمون إلى فعل الخيرات؛ من تقديم وجبات الإفطار للصائمين، ومساعدة المحتاجين، وفيه تتقوى الروابط الأسرية من اجتماعات للأسر والعائلات على موائد الإفطار والسحور، وصلة الرحم، ومساعدة الأقرباء ماديا ومعنويا.
ويختم هذا الشهر الفضيل بإخراج زكاة الفطر التي تطهر المسلم مما اعتراه من تقصير قد يكون قام به خلال الشهر المبارك، كما أنها تجسد أسمى معاني التكافل الاجتماعي في المجتمع المسلم من تقديمها للمحتاجين؛ لشراء ما يلزمهم؛ ليأتي عيد الفطر ليتوج هذا الشهر الكريم، حيث يفرح المسلمون ويتبادلون التهاني بإتمامهم صيام شهر رمضان.
شهر رمضان فرصة ذهبية لتجديد الإيمان بالله تعالى، وتهذيب لأطباعه ومراجعة المسلم لسلوكياته؛ ليقومها بالشكل السليم، كما أنه مدرسة ربانية يتعلم فيها المسلم الصبر والشكر والعطاء ، يخرج منها بقلب نقي وروح متسامية فوق الأحقاد والخصومات والخلافات، ومستعدا لمواجهة الحياة بروح جديدة وإيمان راسخ.
وكل عام وأنتم والوطن بألف خير، ورمضان كريم .