لقد أراد جلالة الملك من هذا اليوم أن يؤسس لعقدٍ معنوي دائم بين الدولة ومن خدموها في ميادين الشرف، عقد يقوم على الوفاء المتبادل؛ وفاء الدولة لمن حملوا مسؤولية الدفاع عنها، ووفاء هؤلاء الرجال لقسمهم الذي لم يكن يوما مرتبطا بزمن الخدمة، بل ظل التزاما دائما تجاه الوطن وقيادته. فالمتقاعد العسكري لا يغادر موقعه الوطني، بل ينتقل من دورٍ عملياتي مباشر إلى دورٍ وطني أشمل، يواصل فيه الإسهام في حماية الاستقرار، وتعزيز الوعي، ونقل الخبرة، وترسيخ منظومة القيم التي يقوم عليها الجيش العربي.
وفي تجربتي الشخصية، أدركت أن الخدمة العسكرية لم تكن وظيفة، بل مسارا لبناء وعي استراتيجي قائم على فهم عميق لمعنى الدولة، وأهمية تماسكها، وخطورة التهديدات التي قد تستهدفها، سواء كانت تقليدية أو غير تقليدية. وعندما تشرفت بتولي مسؤوليات في مجال الاتصال الاستراتيجي، سواء على المستوى الوطني أو ضمن منظومات دولية متعددة الجنسيات، كان واضحا أن قوة الأردن لا تكمن فقط في قدراته العسكرية، بل في وضوح رسالته، وتماسك جبهته الداخلية، وثقة شعبه بمؤسساته. وهذه الثقة هي أحد أهم الإنجازات التي أسهم المتقاعدون العسكريون في بنائها وصونها عبر عقود طويلة من الخدمة.
إن تخصيص هذا اليوم للوفاء يحمل رسالة استراتيجية متعددة الأبعاد؛ فهو رسالة تقدير للماضي، ورسالة ثقة بالحاضر، ورسالة استثمار في المستقبل؛ لأن الدول التي تحافظ على خبرتها المؤسسية، وتحترم تضحيات رجالها، وتدمجهم في مسيرتها الوطنية، هي دول قادرة على التكيف مع التحولات، وأكثر قدرة على مواجهة الأزمات، وأكثر تماسكا في مواجهة التحديات، والمتقاعدون العسكريون في الأردن يمثلون جزءًا أصيلا من هذه القوة، بما يمتلكونه من خبرة، وانضباط، ووعي وطني راسخ.
وفي ظل بيئة إقليمية مضطربة، تتعاظم فيها التهديدات المركبة، من الحروب التقليدية إلى حروب الوعي والمعلومات، تتجلى أهمية هذا الرصيد الوطني بوصفه أحد عناصر المناعة الاستراتيجية للدولة. فالمتقاعد العسكري، بخبرته ووعيه، يشكل خط دفاع إضافيا، ليس بالسلاح، بل بالكلمة المسؤولة، والموقف الواعي، والقدرة على الإسهام في تحصين المجتمع، وتعزيز ثقته بدولته ومؤسساته.
سيبقى يوم الوفاء للمتقاعدين العسكريين والمحاربين القدامى شاهدا على أن الأردن دولة لا تنسى أبناءها، وأن الوفاء فيها ليس شعارا، بل نهج حكم، وثقافة دولة، وعقيدة قيادة. وسيبقى المتقاعدون العسكريون، كما كانوا دائما، جزءًا من منظومة القوة الوطنية، وشركاء في حماية الاستقرار، وحراسا للذاكرة الوطنية، وسندا للدولة في حاضرها ومستقبلها، تحت ظل القيادة الهاشمية الحكيمة، التي جعلت الوفاء قيمة مؤسسية راسخة، وأساسا من أسس استقرار الدولة واستمرارها.
* عميد متقاعد