الملف الإيراني وفقا للصحف العبرية بمختلف توجهاتها، يتصدر المشهد بلا منازع في الداخل، ثمة إجماع إسرائيلي واسع على اعتبار إيران التهديد المركزي، لكن الخلاف يدور حول كيفية التعامل معه. التيار اليميني يدفع باتجاه تشديد الضغط ومنع أي تخصيب لليورانيوم داخل الأراضي الإيرانية، وفرض قيود صارمة على الصواريخ الباليستية، مع الاحتفاظ بحرية العمل العسكري الإسرائيلي. في المقابل، يعبّر تيار آخر عن قلقه من انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية واسعة، ويراهن على موازين ردع إقليمية جديدة تتشكل بفعل حراك إقليمي يسعى إلى منع الانفجار.
القلق الإسرائيلي الأكبر لم يعد فقط في البرنامج النووي، بل في احتمال توقيع اتفاق أمريكي–إيراني جزئي يركز على النووي ويتجاهل الصواريخ ودور طهران الإقليمي. مثل هذا الاتفاق، إن تم، قد يُنظر إليه في تل أبيب باعتباره تسوية غير مكتملة تترك لإسرائيل عبء التعامل منفردة مع التهديدات غير المشمولة بالاتفاق. ولهذا تبدو إسرائيل في حالة انتظار شبيهة بفترات سبقت تحولات كبرى، حيث القرار في واشنطن، لكن التداعيات على حدودها المباشرة.
أما في غزة، فرغم الحديث الرسمي عن انتهاء الحرب، فإن الوقائع الميدانية تعكس صورة مختلفة. الإجراءات الهندسية على ما يطلق عليه “الخط الأصفر”، واستمرار الاحتكاكات المتقطعة، وعمليات حماس، كلها مؤشرات على أن المواجهة لم تُحسم سياسيًا ولا أمنيًا. السؤال المطروح داخل الاوساط الأمنية لم يعد “هل ستعود المواجهة؟ بل : متى؟ وفي غياب تصور واضح لـ”اليوم التالي” في القطاع، يبقى الفراغ السياسي عاملًا مضاعفًا لعدم الاستقرار.
أما لبنان فما يزال ساحة مفتوحة لاحتمالات التصعيد، فيما تنظر إسرائيل إلى تداخل الجبهات باعتباره نتيجة مباشرة لمحور تقوده إيران. ومن هنا تتعزز القناعة بأن ما سيُحسم في طهران سينعكس بالضرورة على غزة ولبنان وسوريا وغيرها.
لكن التحدي لا يقتصر على الجبهات الخارجية. في الداخل الإسرائيلي يتصاعد جدل عميق حول العلاقة بين المستوى السياسي والمؤسسة الأمنية. اتهامات بتسييس الأجهزة، وخلافات بشأن المسؤولية عن إخفاقات السابع من أكتوبر، ونقاشات حول استقلالية الشرطة والجيش، وتدخلات بن غفير بالمؤسسة الأمنية، كلها مؤشرات على اهتزاز الثقة بين القيادة السياسية وأجزاء من المنظومة الأمنية. هذا الجدل لا يعكس مجرد خلاف عابر، بل أزمة بنيوية تتعلق بكيفية إدارة الدولة في زمن الحرب.
إلى جانب ذلك، برز نقاش فكري متجدد داخل أوساط اليسار الإسرائيلي حول الشراكة مع العرب ومستقبل الصراع، في إشارة إلى إدراك متزايد بأن نموذج الفصل القائم وصل إلى مأزقه. صحيح أن هذه الطروحات ما تزال في الإطار النخبوي، لكنها تكشف بحثًا عن بدائل سياسية في ظل انسداد الأفق.
في المحصلة، تقف إسرائيل اليوم في مرحلة ترقّب ثقيل. لا هي في حالة حرب شاملة، ولا هي في حالة سلام مستقر. تنتظر قرارا أمريكيا بشأن إيران، وتتهيأ لاحتمال انفجار جديد في غزة، وتدير في الداخل صراعا على الرواية والمسؤولية. إنها لحظة ما قبل التحول، حيث يمكن لقرار واحد – في واشنطن أو طهران – أن يعيد رسم معادلات المنطقة بأكملها.
وحتى يتضح المسار، ستعمل إسرائيل على التحرك بين التحصين الميداني، والمناورة السياسية، والقلق الاستراتيجي، مع التنبيه لتجنب غطرسة القوة، وعدم التيقن من أن الشرق الأوسط يتغير فعلا.