منذ أن وضع الفيلسوف اليوناني سقراط قدمه في سوق أثينا متسائلاً عن "الفضيلة"، وحتى يومنا هذا، لا يزال السؤال الجوهري يلاحقنا: ماذا يريد الإنسان؟ وماذا يحتاج الوطن؟ إن الكتابة ليست مجرد رصٍّ للكلمات، بل هي محاولة لفك شفرات الوجود. إننا في هذا المقال لا نخاطب النخبة في أبراجها العاجية، بل نخاطب "الإنسان"؛ ذلك الكائن الذي يكدح تحت الشمس، ويحلم تحت ضوء القمر، ويبحث عن معنى لحياته بين دفتي كتاب ولقمة عيش.
كسر قيود العزلة
يرى الفلاسفة الوجوديون أن الإنسان "مشروع" لم يكتمل بعد. وفي وطننا العربي، والأردن بقلبه النابض، ندرك أن كمال "الأنا" لا يتحقق إلا من خلال "النحن". إن الفلسفة التي نريدها اليوم هي "فلسفة الجسر" لا "فلسفة الجدار". الجسر الذي يربط بين الغني والفقير، وبين صاحب القرار والمواطن البسيط.
عندما نتأمل في تاريخ الأدب، نجد أن أعظم الروايات العالمية مثل "البؤساء" لـ فيكتور هوغو، لم تخلد لأنها استعرضت لغة معقدة، بل لأنها لمست شغاف الروح الإنسانية في صراعها مع الظلم.
ليس فندقاً نغادره حين تسوء الخدمة، بل هو "الذات الجماعية" التي إذا تألم منها عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
* بين الحكمة السياسية والأخلاق الفردية
لا يمكن فصل "السياسة" عن "الأخلاق"؛ فكما يقول أفلاطون في "الجمهورية"، فإن الدولة العادلة هي انعكاس لنفس الإنسان العادل. إن إصلاح الشأن العام يبدأ من إصلاح "النية" الخاصة. مصلحة الوطن تقتضي منا أن نكف عن السؤال الكلاسيكي: "ماذا قدم لي الوطن؟" لنطرح السؤال الأكثر عمقاً وحكمة: "ماذا قدمت أنا لكي يكون الوطن بخير؟".
إن بناء الأوطان لا يحتاج فقط إلى مهندسين ومقاولين، بل يحتاج إلى "مهندسي أرواح"؛ إلى معلمين يزرعون الكرامة في نفوس الأطفال، وإلى موظفين يرون في خدمة الناس عبادة، وإلى كتاب، يستنهضون الهمم بالكلمة الصادقة التي تجرد الحقائق من زيفها.
*حكمة التاريخ ودروس الأدب
لو استنطقنا التاريخ، لوجدناه يعيد نفسه بوجوه مختلفة. سقطت إمبراطوريات عظمى حين انشغلت بالترف الفكري وتركت الإنسان يواجه مصيره وحيداً. وفي المقابل، نهضت أمم من الركام (مثل التجربة اليابانية أو الألمانية) لأنها آمنت بأن "الإنسان هو رأس المال الحقيقي".
الأديب الحكيم هو من يجعل من مقالته "مختبراً للضمير". علينا أن نعالج أمورنا الحيوية؛ من التعليم الذي يجب أن يكون منارة للتفكير لا للتلقين، إلى الصحة التي هي حق لا مكرمة، إلى العدالة الاجتماعية التي هي صمام أمان السلم الأهلي.
*نداء إلى الضمير الجمعي
الوطن ليس مجرد نشيد يُعزف، بل هو "فعل" يومي. الحكمة تقتضي منا أن نكون واقعيين في طموحاتنا، وعظماء في أخلاقنا. لا تجعلوا اليأس يتسلل إلى قلوبكم، فالفلسفة تعلمنا أن "الليل مهما طال فلا بد من بزوغ الفجر". ولكن هذا الفجر لا يبزغ للمنتظرين، بل للساعين نحوه.
إننا ندعو إلى "ثورة بيضاء" في الأخلاق والتعامل. أن يحترم الصغير الكبير، وأن يعطف القوي على الضعيف، وأن يكون العلم هو المعيار الوحيد للترقي. هذه هي "المصلحة الحيوية" التي تحمينا من تقلبات الزمان.
إننا نمتلك الإرادة، ونمتلك التاريخ، وما نحتاجه هو "وحدة الهدف". لنكن جميعاً حكماء في بيوتنا، أدباء في حديثنا، وفلاسفة في تأملنا لمستقبل أبنائنا.