الضمّ الإسرائيلي الزاحف عبر القانون الزائف

تاريخ النشر : الاثنين 11:55 9-2-2026
هاني الهزايمة

تشهد الضفة الغربية في المرحلة الراهنة تحولاً نوعياً في طبيعة السياسات الإسرائيلية، يتمثل في الانتقال من ممارسات الاحتلال التقليدية القائمة على السيطرة العسكرية والإدارية المؤقتة، إلى هندسة قانونية–مؤسسية تهدف إلى إضفاء طابع دائم على واقع الاحتلال وتحويله فعلياً إلى سيادة أمر واقع. هذا التحول لا يقتصر على توسيع الاستيطان أو مصادرة الأراضي، بل يتجسد في إعادة تشكيل البنية القانونية والإدارية الحاكمة للأرض والسكان، بما يعيد تعريف العلاقة بين القوة المحتلة والأرض المحتلة خارج إطار القانون الدولي، ويقوّض الأسس التي قامت عليها منظومة التسوية السياسية منذ اتفاقيات أوسلو.

القرارات الأخيرة التي اتخذتها سلطات الاحتلال بنقل صلاحيات التخطيط والبناء في مدينة الخليل ومحيط الحرم الإبراهيمي من المؤسسات الفلسطينية إلى ما يسمى “الإدارة المدنية” التابعة للاحتلال تمثل نموذجاً دقيقاً لهذا التحول. فهي لا تعكس مجرد إعادة توزيع إداري للصلاحيات، بل تؤسس لنمط حكم جديد يقوم على مركزية السيطرة الإسرائيلية على المجال العمراني والديني والثقافي، بما يسمح بإعادة هندسة المكان ديمغرافياً ووظيفياً بما يخدم المشروع الاستيطاني. في السياق المقارن، تشبه هذه الخطوات ما تصفه الأدبيات القانونية بـ“الضم الزاحف” (Creeping Annexation)، حيث لا يتم الإعلان عن الضم رسمياً، بل يُبنى تدريجياً عبر أدوات تنظيمية وقانونية تجعل الانفصال بين الاحتلال والسيادة أمراً غير ذي معنى عملي.

من الناحية القانونية، تمثل هذه الإجراءات خرقاً مباشراً لبروتوكول الخليل لعام 1997، وهو جزء لا يتجزأ من منظومة اتفاقيات أوسلو التي نظّمت ترتيبات الإدارة المدنية والأمنية في المدينة، خصوصاً في محيط المواقع الدينية الحساسة. كما أنها تنتهك الوضع القائم في الحرم الإبراهيمي، الذي كرسته قرارات دولية، وأكدته منظمة اليونسكو عندما أدرجت البلدة القديمة في الخليل والحرم ضمن قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر. وبذلك، لا تمس هذه السياسات بالحقوق الفلسطينية فحسب، بل تقوّض أيضاً منظومة الحماية الدولية للتراث الثقافي والديني، التي تستند إلى اتفاقيات لاهاي واتفاقيات اليونسكو وغيرها من الأطر الملزمة.

غير أن الخليل ليست سوى حالة ضمن نمط أوسع من السياسات البنيوية التي اعتمدتها الحكومة الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة، وجرى تسريعها في الفترة الأخيرة عبر حزمة قرارات صادرة عن المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي تهدف إلى توسيع السيطرة على الضفة الغربية وإضعاف أي مظاهر للولاية الفلسطينية. وتشمل هذه الإجراءات رفع القيود عن تداول الأراضي لصالح المستوطنين، فتح سجلات الأراضي لتسهيل نقل الملكيات، تقليص متطلبات الرقابة القانونية على مشاريع البناء الاستيطاني، وتوسيع صلاحيات الهدم والمصادرة حتى في المناطق المصنفة نظرياً ضمن الولاية المدنية الفلسطينية. هذه الإجراءات، في مجموعها، تعيد صياغة البيئة القانونية التي تحكم الأرض المحتلة بما يسمح بتحويل السيطرة العسكرية المؤقتة إلى سيطرة مدنية–مؤسسية دائمة.

في إطار القانون الدولي الإنساني، تمثل هذه السياسات انتهاكاً مباشراً للمادة 49 (الفقرة 6) من اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر على قوة الاحتلال نقل سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها. وقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري بشأن الجدار العازل (2004)، كما أكدت قرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن وهيئات الأمم المتحدة المختلفة، أن الاستيطان يشكل خرقاً جسيماً لهذا المبدأ، ويُعد عملاً غير مشروع لا يترتب عليه أي أثر قانوني. كما أن نقل الصلاحيات التخطيطية والتنظيمية إلى سلطات الاحتلال يخالف مبدأ “عدم جواز الاستيلاء على الأرض بالقوة”، وهو من القواعد الآمرة في القانون الدولي (Jus Cogens)، التي لا يجوز الاتفاق على مخالفتها ولا يجوز التحلل منها تحت أي ظرف.

لكن الأخطر من البعد القانوني المجرد هو البعد البنيوي لهذه السياسات، إذ إنها تستهدف تفكيك القاعدة المؤسسية لأي كيان فلسطيني قابل للحياة. فالتخطيط العمراني، وإدارة الأراضي، وتنظيم البناء ليست أدوات تقنية محايدة، بل تشكل في السياق السياسي أدوات سيادية بامتياز، لأنها تحدد من يستطيع البقاء على الأرض، ومن يُجبر على الرحيل، وكيف تُعاد صياغة الجغرافيا والديمغرافيا بما يخدم مشروعاً سياسياً بعينه. وعليه، فإن سلب الفلسطينيين هذه الصلاحيات لا يعني فقط إضعاف قدرتهم الإدارية، بل تقويض الأسس الموضوعية التي يمكن أن تقوم عليها دولة فلسطينية مستقلة في المستقبل.

كما أن هذه السياسات تضرب جوهر حل الدولتين، ليس فقط من خلال تقليص الأرض المتاحة للدولة الفلسطينية المفترضة، بل عبر تفريغ هذا الحل من مضمونه القانوني والسياسي، وتحويله إلى مجرد خطاب دبلوماسي منفصل عن الواقع الميداني. فحل الدولتين لا يقوم فقط على حدود جغرافية، بل على منظومة قانونية–مؤسسية تتيح للفلسطينيين ممارسة الولاية السيادية على أرضهم ومواردهم وسكانهم. وعندما تُسحب هذه الأدوات واحدة تلو الأخرى، يصبح الحديث عن دولة فلسطينية قابلة للحياة أقرب إلى الافتراض النظري منه إلى المشروع السياسي القابل للتحقق.

في هذا السياق، تكتسب قضية المقدسات، ولا سيما الحرم الإبراهيمي، بعداً يتجاوز الإطار المحلي أو الوطني الفلسطيني إلى بعد إقليمي ودولي أوسع. فهذه المواقع ليست فقط رموزاً دينية، بل تمثل أيضاً نقاط ارتكاز للهوية التاريخية والثقافية، وأي تغيير في وضعها القانوني أو الإداري يحمل دلالات سياسية عميقة تتجاوز حدود الجغرافيا المباشرة. ومن هنا، فإن محاولات الاحتلال إعادة تعريف إدارة هذه المواقع أو فرض ترتيبات جديدة عليها تمثل، في جوهرها، محاولة لإعادة صياغة الذاكرة والهوية والمجال الرمزي بما يخدم مشروع السيطرة طويلة الأمد.

ولا يمكن فصل هذا التصعيد في الضفة الغربية عن السياق الأوسع للاحتلال الإسرائيلي وسياساته في الأراضي الفلسطينية المحتلة كافة، بما في ذلك غزة والقدس الشرقية. فالسياسات القائمة على تقطيع الجغرافيا، وتفتيت المجال السياسي، وإضعاف البنى المؤسسية الفلسطينية، تهدف في مجموعها إلى إعادة تشكيل الصراع من صراع على الحقوق والسيادة إلى مسألة إدارة سكان بلا أفق سياسي. وهذا التحول البنيوي في طبيعة الاحتلال يشكل، في جوهره، تهديداً مباشراً للنظام القانوني الدولي نفسه، لأنه يقوم على إعادة تعريف مفاهيم الاحتلال، والسيادة، والولاية القانونية خارج الإطار الذي استقر عليه القانون الدولي منذ الحرب العالمية الثانية.

في مواجهة هذا المسار، يبرز الدور الأردني بوصفه أحد أهم محاور التوازن الإقليمي والدولي في حماية الوضع القانوني للأراضي الفلسطينية المحتلة، ولا سيما المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس والخليل. فالأردن، بصفته صاحب الوصاية الهاشمية على المقدسات، لا يتعامل مع هذه القضايا بوصفها ملفات سياسية ظرفية، بل باعتبارها التزاماً قانونياً وتاريخياً وأخلاقياً، وهو ما انعكس في تحركاته الدبلوماسية والقانونية المتواصلة على المستويات الثنائية ومتعددة الأطراف. وقد قاد الأردن جهوداً فاعلة داخل الأمم المتحدة واليونسكو والمحافل الدولية الأخرى للتصدي لمحاولات الاحتلال تغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم، سواء في القدس أو في الخليل، مؤكداً أن أي مساس بهذه المواقع يشكل انتهاكاً للقانون الدولي وتهديداً مباشراً للسلم الإقليمي والدولي.

ومن منظور تحليلي، فإن استمرار هذا المسار دون ردع فعّال ينذر بإعادة تعريف مفهوم الاحتلال ذاته في القانون الدولي، وتحويله من حالة استثنائية مؤقتة إلى نمط حكم دائم يمكن تطبيعه قانونياً وإدارياً. وهذا التحول، إن ترسخ، لن تكون تداعياته محصورة في السياق الفلسطيني، بل سيمتد أثره إلى نزاعات أخرى حول العالم، حيث يمكن أن يُستشهد بهذه السابقة لتبرير السيطرة على الأراضي بالقوة وإعادة تشكيلها قانونياً دون مساءلة.

بناءً عليه، فإن مواجهة هذا النمط من “الضم عبر القانون” تتطلب انتقال المجتمع الدولي من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة معالجة بنيتها القانونية والسياسية. وهذا يقتضي تفعيل أدوات المساءلة الدولية، وربط العلاقات السياسية والاقتصادية باحترام الالتزامات القانونية، وتعزيز دور المحاكم والهيئات الدولية في مساءلة الانتهاكات الممنهجة، وليس الاكتفاء بتوصيفها أو إدانتها خطابياً. كما يقتضي دعماً فعلياً للقدرات المؤسسية الفلسطينية، بوصفها شرطاً موضوعياً لأي حل سياسي قابل للاستدامة.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }