نجاح الاستراتيجيّة الوطنيّة للنّفايات في خطواتها الأولى

تاريخ النشر : الاثنين 11:51 9-2-2026
د. أيوب أبودية

في عام 2026، دخل الأردن مرحلة جديدة في إدارة ملف النفايات مع تطبيق قانون النفايات الجديد، بالتوازي مع استراتيجية وزارة البيئة للسيطرة على التلوث. لا شك أن هذه الخطوة تُعد من أكثر الخطوات تقدمًا وسرعة في الإنجاز في السياسات البيئية الأردنية خلال السنوات الأخيرة، فهي تعكس إدراكًا رسميًا متأخرًا، لكن مهمًا، بأن النفايات لم تعد قضية خدمات بل قضية صحة عامة واقتصاد وبيئة وعدالة بين الأجيال.

القانون الجديد يضع إطارًا تشريعيًا واضحًا لمسؤوليات البلديات، ويمنح وزارة البيئة أدوات رقابية وتنظيمية أوسع، ويشدّد على تقليل المكبات العشوائية، وتحسين الجمع والنقل، والحد من الحرق غير القانوني، إضافة إلى فرض عقوبات على المخالفين. كما تتضمن استراتيجية 2026 لغة حديثة نسبيًا حول "الاقتصاد الدائري" و"الاستدامة" و"تقليل الأثر البيئي"، وهي مفاهيم تُحسب للوزارة وتحمل في ظاهرها أفكارًا متقدمة.

لكن، ورغم كل ذلك، فإن هذه السياسة الممتازة تسير على قدم واحدة. فرغم أن القدم الأولى قوية وثابتة، فإن السيطرة على الرمي العشوائي للنفايات لا يمكن إنكار نجاحها الأولي، فقد لاحظنا شوارعنا أصبحت أكثر نظافة منذ الإعلان عن الاستراتيجية وقبل تركيب الكاميرات، لأن من يأمن العقاب يسيء الأدب، وهذه قاعدة عامة.

ولا شك أن التركيز على ضبط النفايات الصلبة، ومنع تراكمها، وتحسين كفاءة جمعها، ومنع عمال الأمانة من بعثرة النفايات عند الجمع، أو ترك الحاويات في وسط الشارع، وتحذير الناس من ترك أكياس النفايات أمام بيوتهم تحت طائلة المخالفة، ومعالجة المكبات وتوسعة الاستثمار في الغاز الحيوي، هي أمور أساسية وضرورية، خاصة لأن مشاهد النفايات أمام أرصفة البيوت، وفي الأراضي الخلاء، وفي الأودية، أصبحت جزءًا من المشهد اليومي في كثير من المناطق، وما يرافقها من روائح وحشرات ومخاطر صحية وتلوث ومناظر غير حضارية. فما هي الخطوة التالية؟

القدم الثانية للاستراتيجية الوطنية للنفايات 2026 التي ينبغي أن تقف عليها بتوازن، هي الاستدامة والتشغيل والاقتصاد الدائي الأخضر، أي التخطيط لما ينبغي فعله بعد ذلك ولأمد بعيد، مثل فرز النفايات من المصدر، إيجاد حل للعابثين بالحاويات، ولبكبات الفرز، وتلك التي تجوب المملكة بمكبرات صوت كأن يوم القيامة على الأبواب، وفتح مصانع للتدوير وإعادة الاستخدام، وخلق فرص عمل خضراء جديدة، وتسهيل تبادل نفايات بعض المصانع لتصبح مادة خام لصناعات أخرى.

فالاستدامة، أو التفكير بعيد المدى في إدارة النفايات، ينبغي أن يضمن حماية البيئة واستدامة الموارد الطبيعية للأجيال القادمة. فلا يجوز أن يقتصر التخطيط على جمع النفايات وحرقها أو دفنها، بل ينبغي أن يمتد إلى آليات ذكية وابتكارات مستمرة. على سبيل المثال، يمكن تعزيز فرز النفايات من المصدر، بحيث تقوم الأسر والشركات والمصانع بفرز البلاستيك، والورق، والمعادن، والزجاج، والنفايات الخطرة، والنفايات الإلكترونية، والنفايات العضوية قبل التخلص منها، مما يسهل إعادة تدويرها إلى أسمدة وتحويلها بعضها الآخر إلى مواد خام. وفضلات الخضار والفواكه أو مخلفات مصانع العصائر يمكن تحويلها إلى علف حيواني، أسمدة عضوية، أو طاقة حيوية.

كما تشمل الاستدامة فتح مصانع متخصصة في التدوير وإعادة الاستخدام، مثل تحويل البلاستيك المستعمل إلى بلاط أو مواسير وأدوات منزلية، وتحويل النفايات العضوية إلى سماد عضوي للزراعة، واستغلال مخلفات مصانع الأطعمة ومزارع المواشي لتحويلها إلى طاقة حيوية. هذه الخطوة لا توفر حماية بيئية فحسب، بل تخلق فرص عمل خضراء للشباب، من تقنيين ومهندسين إلى عمال متخصصين في إدارة النفايات وإعادة تدويرها. كذلك إطارات السيارات التالفة يمكن تفكيكها وتحويلها إلى أرضيات ملاعب، وطابات تنس، وحشوات لطرق، أو مطاط صناعي. وبقايا المعادن من المصانع يمكن إعادة صهرها لتصنيع منتجات جديدة، مثل الأجزاء الصناعية أو أدوات البناء.

ولتعزيز اقتصاد دائري فعّال، يمكن تسهيل تبادل النفايات بين المصانع، فمثلاً مخلفات مصنع للأخشاب يمكن أن تصبح مادة خام لصناعة الأثاث، أو مخلفات مصنع للزيوت يمكن تحويلها إلى وقود حيوي أو منتجات كيميائية صناعية، ومخلفات مصانع التغليف أو الطباعة يمكن تحويلها إلى ورق معاد تدويره أو صناديق كرتونية جديدة بدل حرقها أو دفنها. ومخلفات الزجاج يمكن تذويبها وإعادة تصنيع عبوات جديدة، أو تحويلها إلى مواد بناء مثل الطوب الزجاجي. بهذا الشكل، لا تصبح النفايات مجرد عبء على البيئة، بل موارد قيمة تتحرك داخل الاقتصاد الوطني فتنعشه، وتحقق الاستدامة الحقيقية على المدى الطويل.

وبعض مخلفات مصانع الملابس أو المواد الكيميائية يمكن معالجة مياهها وإعادة استخدامها في التبريد الصناعي، والغسيل الخارجي، أو الري الصناعي. كذلك حرارة المصانع الكبيرة مثل مصانع الإسمنت أو الصلب يمكن استغلالها لتوليد طاقة كهربائية أو تدفئة مبانٍ مجاورة بدل أن تضيع. وفي المحطات الحرارية، سواء تعمل بالفحم أو النفط أو الغاز، فإنها تنتج كميات كبيرة من الرماد المتطاير بعد حرق الوقود. هذه المخلفات كانت في الماضي تعتبر نفايات وتُدفن أو تُطرح في البحيرات الصناعية، مما يسبب تلوثاً بيئياً كبيراً. أما اليوم فإن الرماد المتطاير يحتوي على معادن مثل السيليكا والألومينا والكالسيوم، وهذه عناصر أساسية في صناعة الإسمنت.

ففي مصانع الإسمنت يتم خلط الرماد مع الجير والحصى لتكوين أسمنت بورتلاندي أو أنواع أخرى من الإسمنت، فتقل الحاجة لاستخراج جزء من المواد الخام الطبيعية مثل الحجر الجيري والطين، مما يحافظ على الموارد الطبيعية، وتنخفض الانبعاثات الكربونية المرتبطة بإنتاج الإسمنت التقليدي، ويقلل ذلك من تراكم الرماد الضار على الأراضي والمياه.

في النهاية، تمثل الاستدامة والاقتصاد الدائري الأخضر حجر الزاوية في الاستراتيجية الوطنية للنفايات 2026. فالنفايات لم تعد مجرد عبء على البيئة، بل فرصة لتحويلها إلى موارد قيمة تدعم الصناعة، وتخلق فرص عمل، وتقلل من استنزاف الموارد الطبيعية. فمن فرز النفايات في المنازل والمصانع، إلى إعادة تدوير البلاستيك والمعادن، واستخدام مخلفات المحطات الحرارية في صناعة الإسمنت، يظهر بوضوح أن التخطيط طويل المدى وإيجاد حلول مبتكرة يمكن أن يحوّل كل نفاية إلى جزء من دورة إنتاج مستدامة. بهذه الطريقة، تصبح إدارة النفايات رافعة حقيقية للتنمية الخضراء، وتعزز جودة الحياة، وتحمي البيئة، وتبني مستقبلًا أكثر استدامة للأجيال القادمة.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }