ما يحدث في أوروبا "الليبرالية" اليوم يعكس إدراكاً سياسياً لحجم المخاطر. إعلان رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيتش التوجه نحو حظر استخدام منصات التواصل الاجتماعي لمن هم دون السادسة عشرة لا يمكن قراءته كقرار تقني محلي، بل كرسالة واضحة بأن حماية الطفولة باتت أولوية تتقدم على اعتبارات السوق الرقمية. والأهم من ذلك هو السعي لتحميل الشركات مسؤولية فعلية عبر التحقق العمري والعقوبات ومراقبة المحتوى، وهي خطوات طال انتظارها في مواجهة نفوذ المنصات خاصة في العالم الغربي.
إسبانيا ليست الاستثناء، فهنالك توجهات مشابهة في العديد من الدول مثل اليونان والتشيك، الأمر الذي يشير الى تشكل مزاج دولي جديد أكثر صرامة تجاه الفضاء الرقمي للأطفال. هذا التحول يعكس قناعة متنامية بأن ترك المسألة للرقابة الأسرية وحدها لم يعد كافياً، وأن الدولة مطالبة بالتدخل حين تتجاوز المخاطر قدرة الأسرة على الاحتواء.
الجدل الذي أثاره رفض إيلون ماسك لهذه التوجهات ووصفه سانشيتش بعبارات حادة مثل "الدكتاتور" يكشف في جوهره صراعاً أعمق بين منطق الربح ومنطق الحماية. فحرية المنصات، مهما كانت أهميتها، لا يمكن أن تقدم بوصفها قيمة مطلقة عندما يتعلق الأمر بسلامة الأطفال النفسية والاجتماعية. هنا يصبح السؤال أخلاقياً قبل أن يكون سياسياً: أيهما أولى بالحماية، مصالح المنصات الرقمية أم الطفولة؟
على الصعيد الأردني، تبدو الدعوات البرلمانية لتقييد استخدام الأطفال دون 16 عاماً لمنصات التواصل، ومن بينها ما طرحه النائب خميس عطية النائب الأول لرئيس مجلس النواب، منسجمة مع هذا التوجه العالمي المتصاعد. فالتحولات السلوكية الملحوظة لدى جيل "زد"، من عزلة اجتماعية وضعف تفاعل واقعي وتعرض لمحتوى غير مناسب وصولاً إلى التحرش الرقمي، لم تعد مجرد ملاحظات تربوية، بل إشارات إنذار تستدعي استجابة تشريعية واضحة.
ومع ذلك، لا يمكن اعتبار أن الحظر وحده يمكن أن يكون الحل الكامل، بل هو خطوة ضمن منظومة أوسع تبدأ من الأسرة ولا تنتهي عند القانون، مروراً بالمدرسة والإعلام والثقافة الرقمية.
حماية الأطفال في العصر الرقمي ليست قراراً واحداً، بل مسار طويل من إعادة تعريف المسؤولية المشتركة. لكن من الجيد أن العالم بدأ أخيراً يتحرك في الاتجاه الصحيح عندما يضع الطفولة أولاً، ثم التفاوض لاحقاً مع كل ما عداها.