لم تعد حدود الدول تُرسم بالأسلاك الشائكة والمراكز الحدودية فحسب؛ ففي قلب "عمان الذكية" وعبر أليافنا الضوئية التي تمتد لتصل كل بيت ومؤسسة، تدور رحى حرب صامتة لا دويّ لمدافعها ولا غبار لمجنزراتها، لكن جروحها قد تنزف اقتصاداً وأمناً وسيادة.
إن ما يشهده الأردن اليوم من تصاعد محموم في الهجمات السيبرانية ليس مجرد "محاولات اختراق" تقنية، بل هو اختبار حقيقي لصلابة جبهتنا الداخلية في مواجهة غزاة خلف الشاشات.
تُشير البيانات الأخيرة للمركز الوطني للأمن السيبراني لعامي 2025 و2026 إلى واقع لا يحتمل المجاملة؛ مئات الحوادث السيبرانية التي استهدفت مؤسساتنا الحيوية، من قطاع الطاقة والمال إلى المنصات الحكومية والتي تسببت بخسائر اقتصادية سنوية تُقدّر نحو 150 مليون دينار جراء هذه الهجمات، فنحن لا نتحدث عن أرقام في ميزانية، بل عن فرص عمل ضائعة، وتنمية تتعثر، وثقة رقمية تُوضع على المحك.
لماذا الأردن؟
إن استهداف المملكة ليس وليد الصدفة، بل هو ضريبة الموقع الجيوسياسي والدور المحوري الذي يؤديه الأردن، إضافة إلى تسارعه المدروس نحو الرقمنة الشاملة. نحن اليوم أمام جيل جديد من التهديدات؛ هجمات مدعومة من جهات خارجية، واختراقات "سلاسل التوريد"، واستخدام خبيث للذكاء الاصطناعي لتوليد برمجيات فتاكة تتجاوز دفاعاتنا التقليدية. هؤلاء المهاجمون لا يسعون لسرقة بيانات فحسب، بل يهدفون أحياناً لزعزعة الاستقرار الاجتماعي وبث الشك في قدرة الدولة على حماية "عصبها الرقمي".
المنعة السيبرانية.. ليست ترفاً
لقد قطع الأردن شوطاً كبيراً، وتربعنا على قمة مؤشرات الأمن السيبراني عربياً وإقليمياً، بفضل رؤية ملكية استباقية وضعت "الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني (2025-2028)" كخارطة طريق للمستقبل. لكن، دعونا نكن صريحين: الدولة لا تستطيع أن تخوض هذه الحرب وحدها. الأمن السيبراني اليوم هو "ثقافة وطنية" قبل أن يكون "تجهيزات تقنية".
إن الفجوة الحقيقية لا تكمن دائماً في "الجدران النارية" (Firewalls)، بل في "الوعي البشري". فكل موظف يستهين بكلمة مرور ورابط، وكل مؤسسة تؤجل تحديث أنظمتها بذريعة "التوفير"، هي في الحقيقة تفتح ثغرة في جدار الأمن الوطني. إن الاستثمار في الأمن السيبراني يجب أن يتحول من "بند كلفة" إلى "بند حماية وجودية" في القطاعين العام والخاص على حد سواء.
لمجتمع رقمي أكثر وعياً
المطلوب اليوم هو بناء "منعة وطنية شاملة"؛ تبدأ من مقاعد الدراسة وتمر عبر غرف العمليات في مؤسساتنا، وصولاً إلى المواطن الذي يستخدم تطبيق "سند". نحتاج إلى تعزيز التعاون بين المركز الوطني للأمن السيبراني والقطاع الخاص، وتوطين التكنولوجيا السيبرانية بأيدٍ أردنية شابة، لضمان ألا يكون أمننا رهناً لبرمجيات خارجية قد تُخفق في لحظة الحقيقة.
ختاماً..إن السيادة في القرن الحادي والعشرين تُنتزع في الفضاء السيبراني تماماً كما تُحمى على الحدود الأرضية. إن هجمات الاختراق التي تستهدف الأردن هي "نداء صحوة" لنا جميعاً؛ فإما أن نكون حصناً رقمياً منيعاً يليق بمكانة المملكة، أو أن نترك أبوابنا مشرعة لرياح العبث الرقمي. الأردن قوي بقيادته وشعبه، وبقوة "خندقنا الرقمي" سيبقى عصياً على كل من يحاول المساس بأمنه، ولو بنقرة زر.
* باحث رقمي