وقد جاءت النتائج المالية الأولية لعام 2025 لتؤكد أهمية هذا الدور؛ إذ سجلت موجودات الصندوق نموًا قياسيًا بقيمة 2.4 مليار دينار لتصل إلى 18.6 مليار دينار نهاية عام 2025، مقارنة بـ 16.2 مليار دينار نهاية عام 2024، وبنسبة نمو 15%. كما ارتفع الدخل الشامل إلى نحو 2.2 مليار دينار، مدعومًا بصافي عوائد من المحافظ الاستثمارية بنحو 1.1 مليار دينار، وصافي ارتفاع في تقييم محفظة الأسهم الاستراتيجية بنحو 1.1 مليار دينار، إلى جانب فائض تأميني محوّل بحدود 200 مليون دينار. هذه الأرقام تحمل دلالة واضحة: هناك إدارة قادرة على اغتنام الفرص، وتوجه معلن لتحديث الاستراتيجية وتعزيز الاستثمارات ذات الأثر الاقتصادي المباشر.
لكن السؤال الأهم اليوم ليس فقط “كم بلغ حجم الموجودات؟” بل: كيف نُحوّل جزءًا أكبر من أصول الصندوق إلى تدفقات نقدية مستقرة ومتنامية؟ هنا تبرز المحفظة العقارية كفرصة استراتيجية، ليس من زاوية التملك، بل من زاوية تعظيم القيمة.
العقار ليس أصلًا ساكنًا. وتعظيم عائده لا يتحقق غالبًا بمنطق “الشراء والاحتفاظ” فقط، بل عبر إدارة نشطة تشمل: تطوير الأصول، رفع كفاءة التأجير، تحسين الإشغال، إعادة التأهيل، تغيير الاستخدامات ضمن الأطر التنظيمية، وبناء شراكات استراتيجية تُحوّل الأراضي والأصول إلى مشاريع إنتاجية مدرّة للدخل. ومن واقع الخبرة، فإن إدارة هذا الملف من خلال “دائرة” أو “مديرية” قد تؤدي جانب المتابعة والحيازة، لكنها لا تضمن دائمًا الوصول إلى أعلى قيمة ممكنة للأصول على المدى الطويل.
من هنا أطرح فكرة أراها عملية وقابلة للتطبيق: تأسيس شركة متخصصة لإدارة واستثمار محفظة الضمان العقارية، على غرار النماذج المؤسسية التي اعتمدها الصندوق سابقًا في قطاعات محددة عبر شركات تابعة متخصصة. الهدف ليس إنشاء كيان إضافي، بل تأسيس منصة تنفيذية احترافية تجمع خبرات إدارة الأصول العقارية والتأجير والتطوير والشراكات، وتُدار بمؤشرات أداء واضحة ومساءلة أعلى.
ما الذي يمكن أن تحققه الشركة العقارية المتخصصة؟
أولًا: تعزيز الدخل المستقر عبر إدارة تأجير احترافية ورفع نسب الإشغال وتحسين بنود العقود ومواءمة الاستخدامات.
ثانيًا: رفع القيمة السوقية للأصول بتحويل جزء من الأراضي إلى مشاريع مدروسة بدل بقائها سنوات طويلة دون قيمة مضافة.
ثالثًا: توسيع الشراكات الاستراتيجية مع القطاع الخاص والمستثمرين عبر نماذج واضحة (شراكات/مشاريع مشتركة/ BOT/ PPP) مع الحفاظ على ملكية الأصول وتعظيم العائد للصندوق.
رابعًا: إدارة مخاطر أدق عبر هيكلة المشاريع “مشروعًا بمشروع” (SPVs) لعزل المخاطر وتحديد الالتزامات والمسؤوليات.
خامسًا: أثر اقتصادي مباشر في التشغيل وسلاسل التوريد والخدمات وإدارة المرافق، بما ينسجم مع توجه الدولة نحو الاستثمار المنتج ورؤية التحديث الاقتصادي.
ولأن أي توسع مؤسسي يجب أن يُقاس بالحكمة قبل الحماس، فإن نجاح هذه الفكرة يتوقف على حوكمة صارمة تمنع تضارب المصالح وتضمن الشفافية. وهذا يستدعي، منذ اليوم الأول: مجلس إدارة مهنيا ولجان مخاطر وتدقيقا واستثمارا بصلاحيات واضحة، تقييمات مستقلة دورية للأصول، سياسات شفافة للمشتريات والتعاقدات، وحدودًا مدروسة لأي مديونية محتملة، مع تقارير أداء سنوية تقيس العائد المالي والأثر الاقتصادي معًا.
ولكي تكون الفكرة قابلة للتطبيق سريعًا دون قفزات غير محسوبة، أقترح مسارًا تدريجيًا من خمس خطوات:
1. إعداد تشخيص رقمي للمحفظة العقارية وتصنيف الأصول: مدرة للدخل، قابلة للتطوير، بحاجة لإعادة تأهيل، أو مرشحة للتخارج.
2. تأسيس الشركة بنموذج واضح: “إدارة أصول” أو “إدارة وتطوير عبر شراكات” دون تحميلها تنفيذًا مباشرًا لكل شيء.
3. إطلاق برنامج تجريبي لمدة سنتين على 2–3 أصول مختارة، مع مؤشرات أداء محددة: دخل تأجير، إشغال، رفع قيمة، وظائف، وجذب شريك.
4. اعتماد آلية شراكات تنافسية وشفافة تُحقق أفضل توازن بين العائد والمخاطر لصالح الصندوق.
5. إدراج “الأثر الاقتصادي” ضمن قياس الأداء: الاستثمار المحفَّز، الوظائف، التنمية المحلية، وتوسيع الاقتصاد الحقيقي.
ختامًا، نتائج 2025 تعطي إشارة إيجابية على قدرة الصندوق على تحقيق نمو قوي وإدارة محافظه بكفاءة. والمرحلة المقبلة- خصوصًا مع توجه الصندوق لدراسة والمساهمة في مشاريع كبرى وتحديث استراتيجيته- تستحق أدوات تنفيذ أكثر تخصصًا في المحافظ الأقل سيولة مثل العقار. شركة عقارية متخصصة، بحوكمة صارمة ومسار تدريجي، قد تكون خطوة نوعية لتعظيم قيمة أصول الضمان، وزيادة الدخل المستدام، وتعزيز الدور الاقتصادي للصندوق بما يخدم المؤمن عليهم والاقتصاد .
* اقتصادي – نائب رئيس سابق لمجلس استثمار أموال الضمان الاجتماعي (ممثلا عن القطاع الخاص)