تشير بيانات دائرة الإحصاءات العامة إلى أن قيمة الصادرات الوطنية ارتفعت من 8.58 مليار دينار في عام 2024 إلى نحو 8.69 مليار دينار خلال أول 11 شهرًا من 2025، في حين بلغت الصادرات الكلية 9.55 مليار دينار. في المقابل، ارتفعت المستوردات بوتيرة أعلى، لتصل إلى 18.94 مليار دينار، ما أبقى العجز التجاري عند مستوى مرتفع تجاوز 9.3 مليار دينار، مع نسبة تغطية للصادرات لم تتجاوز 50% خلال الفترة نفسها.
ورغم هذه الصورة العامة، يبرز شهر تشرين الثاني 2025 كنموذج مختلف وأكثر دلالة، إذ ارتفعت الصادرات الكلية خلاله بنسبة 22.7% مقارنة بالشهر نفسه من عام 2024، في حين تراجعت المستوردات بنسبة 1.7%، ما أدى إلى انخفاض العجز التجاري بنحو 24.6%، وارتفاع نسبة تغطية الصادرات للمستوردات إلى 60%، مقابل 48% في تشرين الثاني 2024. هذه الأرقام لا تعكس تحسنًا عابرًا فحسب، بل تشير إلى أن إدارة العلاقة بين التصدير والاستيراد يمكن أن تُحدث فرقًا ملموسًا في جودة النمو التجاري.
غير أن الانتقال من قراءة الأرقام إلى تحليل الهيكل يكشف أن التحسن بقي محصورًا في القطاعات نفسها تقريبًا. فقد تصدّرت الأسمدة والفوسفات والبوتاس الخام، والحلي والمجوهرات، والصناعات الدوائية قائمة الصادرات في عامي 2024 و2025، مع بعض التباين في معدلات النمو. وعلى الرغم من أهمية هذه القطاعات، إلا أن استمرار هيمنتها يعكس محدودية التحول النوعي في بنية الصادرات، حيث لم تشهد القائمة دخول قطاعات إنتاجية جديدة ذات قيمة مضافة أعلى.
وهنا تتضح الفجوة الأساسية بين ما يستطيع الاقتصاد الأردني إنتاجه وما ينجح فعليًا في تصديره. فالاقتصاد الوطني يمتلك قدرات كامنة في الصناعات الغذائية المتقدمة، والتصنيع الزراعي، والصناعات الهندسية الخفيفة، إضافة إلى الصناعات القائمة على المعرفة والخدمات القابلة للتصدير. إلا أن مساهمة هذه القطاعات ما تزال هامشية في الصادرات، ليس بسبب ضعف الإنتاج، بل نتيجة غياب سياسة تصدير تستهدف سلاسل القيمة الأعلى، وتربط بين الابتكار والإنتاج والنفاذ إلى الأسواق.
وعلى الصعيد الجغرافي، تظهر البيانات تحسنًا في الصادرات إلى أسواق إقليمية وأوروبية خلال 2025، من بينها سوريا والاتحاد الأوروبي والهند والسعودية، إلا أن هذا التوسع الجغرافي لم يترافق مع تنويع سلعي حقيقي. فالوصول إلى أسواق جديدة بالمنتجات ذاتها قد يحقق نموًا مؤقتًا، لكنه لا يؤسس لتحول اقتصادي مستدام، ولا يقلل الاعتماد على قطاعات تقليدية تتأثر بتقلبات الطلب والأسعار العالمية.
من منظور صانع سياسات، فإن التحدي اليوم لا يكمن في رفع أرقام الصادرات فقط، بل في تعظيم أثرها الاقتصادي. فالتصدير يجب أن يتحول إلى أداة لخلق فرص العمل، وتعميق التصنيع المحلي، وإحلال المستوردات، وتعزيز الاستقرار المالي، لا أن يبقى مجرد مؤشر رقمي يُقاس سنويًا. وهذا يتطلب سياسات أكثر انتقائية، توجّه الحوافز نحو القطاعات الأعلى قيمة مضافة، وتدعم تصدير الخدمات، وتخفف كلف الإنتاج واللوجستيات، وتربط الدعم الحكومي بالأثر الحقيقي على النمو والتشغيل.
الخلاصة أن تحسن الصادرات الوطنية في 2025 تطور إيجابي لا يمكن إنكاره، لكنه غير كافٍ ما لم يُترجم إلى تحول هيكلي في طبيعة ما نصدّره. فالتحول الحقيقي يبدأ عندما ننتقل من تصدير ما هو متاح وسهل، إلى تصدير ما نُبدع في إنتاجه فعلًا. عندها فقط، تصبح الأرقام انعكاسًا لقصة نجاح اقتصادي مستدام، لا مجرد تحسن ظرفي تحكمه دورات السوق.