لقد تغلغلت عقلية "إدارة المشاريع" في صلب العلاقات الأسرية، فأصبح الزواج في كثير من الأحيان يبدو كعقد شراكة تجاري يهدف إلى مراكمة الأصول وتحقيق الرفاه المادي فقط. وفي هذا السياق، تراجع الحوار الدافئ ليحل محله "اللوجستيات" اليومية: دفع الفواتير، تأمين المدارس النخبوية، وتخطيط العطلات التي تصلح للنشر على منصات التواصل، وهذه "المؤسسة" قد تنجح مادياً، لكنها تظل كياناً فاقداً للنبض، حيث يُقاس النجاح فيها بالأرقام لا بالاستقرار النفسي.
هذا التحول ألقى بظلاله الثقيلة على مفهوم الأمومة والأبوة، حيث تحول الأبناء من كائنات بشرية تحتاج للرعاية العاطفية إلى "مشاريع استثمارية" يجب أن تتفوق وتنافس، حيث أصبح حب الوالدين للأبناء مشروطاً بمدى قدرة هولأء الأبناء على حصد الدرجات واكتساب المهارات، مما خلق جيلاً يشعر أن قيمته مستمدة من إنجازه لا من كينونته، كما إن "تنميط الحب" هنا يتجلى في تحويل العاطفة إلى مكافأة تُمنح عند النجاح وتُسحب عند الإخفاق، مما يزعزع أمن الطفل الوجودي.
وعلى الجانب الآخر، ساهمت "الرقمنة" في تعميق أزمة الروح داخل الأسرة، حيث أصبح الاستعراض هو المحرك الأساسي للعلاقات، حيث يتم قولبة اللحظات الحميمة لتناسب الشاشات، ويتحول "الحب" إلى مادة خام لصناعة المحتوى وهذا التنميط البصري جعل العائلات تعيش تحت ضغط "الصورة المثالية"، مما أدى إلى تآكل العفوية والصدق في المشاعر؛ فالأهم لم يعد كيف نشعر تجاه بعضنا، بل كيف يبدو شعورنا أمام الآخرين.
إن هذا الانزلاق نحو "مأسسة الأسرة" أدى إلى ظهور ما يمكن تسميته "الوحشة الجماعية"، حيث يسكن أفراد الأسرة تحت سقف واحد لكنهم يعيشون في جزر منعزلة، فعندما تغيب الروح، تصبح القوانين والواجبات ثقيلة ومملة، ويتحول البيت من مكان للترميم النفسي إلى مصدر إضافي للضغط والتوتر وهنا، تفرغ كلمة "سكن" من معناها القرآني والإنساني، لتصبح مجرد توصيف هندسي لمكان الإقامة.
إن استعادة "روح الأسرة" تتطلب شجاعة في مراجعة أولوياتنا؛ بالانتقال من عقلية "الإنجاز" إلى عقلية "الحضور" كما نحن بحاجة لإعادة الاعتبار للوقت الضائع في الضحك العفوي، والإنصات العميق، والحب غير المشروط الذي لا ينتظر عائداً استثمارياً ، فالأسرة ليست شركة نخشى إفلاسها، بل هي كائن حي ينمو بالرحمة، ولن ينجو هذا الكائن إلا إذا استعدنا "السكن" كقيمة عليا تسمو فوق كل أنماط المادة والإنتاج.